عرض مشاركة واحدة
قديم 02/11/2019, 10:39 AM   عدد المشاركات : 8
نصير
قدماء المشاركين فى المنتدى




نصير غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تنبيهات لتقويم الأقوال والمقالات .. مِثال تطبيقي / د. منصور بن حمَد العيدي

التنبيهُ الثامنُ: رِوايةُ العالِمِ الحديثَ لا تَعني الأخْذَ به

يَنبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ رِوايةَ العالِم الحديثَ ومعرفتَه به لا يَستلزمانِ أنْ يأخُذَ بمدْلولِه، فقد يأخُذُ به، وقد لا يأخُذُ، وإذا لم يأخُذْ به فهذا يعودُ إلى أسبابٍ مُتنوِّعةٍ؛ منها: أنه يَرى أنَّ هذا الخبرَ ذو دَلالةٍ مُحتمِلةٍ، أو يكونُ له تفسيرٌ يُخالِف فيه غيرَه، وقد يَرى العالِمُ أنَّ هذا الحديثَ مُعارَضٌ بما هو أقْوى منه، وفي ذلك تُذكَرُ القصَّة المشهورةُ للإمامِ مالكٍ؛ إذ قِيل له: إنَّك لا تأخُذُ بخيارِ المجلِسِ وقد ذكرتَ الحديثَ في كتابِك، فقال -رحمه الله- مَقولتَه المشهورةَ: "حتى يَعلَمَ الجاهلُ مِن أمثالِك أنِّي عن عِلْمٍ تركْتُه".

يُريد -رحمه الله- أنه لم يأخُذْ بالحديثِ مع عِلْمه به؛ وذلك أنَّ مالكًا -رحمه الله- رأى أنَّ عمَلَ أهلِ المدينةِ على خلافِ هذا الحديثِ، وأنَّ عمَلَهم أقوى مِن هذا الحديثِ الآحاديِّ.

قدْ نَعلمُ يقينًا أنَّ العالِمَ لم يأخُذْ به إذا ثبَت عنه نصٌّ يُخالِفُ مَضمونَ الخبرِ، وهنا يُستحسَنُ أنْ نَعرِفَ موقفَ الطَّبَريِّ وأبى عَوانةَ من مَسألةِ المزاميرِ، وما يُمكِن أنْ نَعرِفَ به فَهمَهم لهذا الحديثِ حديثُ الكَبَرِ والمزاميرِ والعُرْسِ، وهنا لا حاجةَ أنْ نُؤكِّدَ أنه لا مَجالَ هنا للحديثِ عن مُوسيقى ومعازفَ؛ لأنَّ الحديثَ ليس فيه لا هذا ولا ذاك، وإنما في الحديثِ فقط ْكَبَرٌ ومزاميرُ، فيا تُرى ما مَوقف العالِمَين من الكَبَرِ والمزاميرِ؟

أقول: الواقعُ المقطوعُ به أنَّ كلًّا منهما مُتشدِّدٌ جدًّا في هذا الأمْرِ، وكلًّا منهما أشدُّ مِن الآخَرِ من وجْهٍ ما؛ أمَّا الطَّبَريُّ فيقولُ في تهذيب الآثارِ (4/238): "لا بأسَ على الرجُلِ المسلمِ إذا رأى بعضَ ما يتَّخِذُه أهلُ الكفْرِ وأهلُ الفُسوقِ والفجورِ مِن الأشياءِ التي يُعصى اللهُ بها مما لا يَصلُحُ لغيرِ مَعصيةِ اللهِ به وهو بهَيئتِه، وذلك مِثل: الطَّنابيرِ، العِيدانِ، المزاميرِ التي لا مَعنى فيها وهي بهَيئتِها إلا التَّلهِّي به عن ذِكرِ اللهِ، والشُّغل بها عمَّا يُحِبُّه اللهُ إلى ما يُسخِطُه..."، إلى أنْ قال: "إذ كان فيها الأسبابُ التي تُوجِب لِلَّاهِي بها سخَطَ اللهِ وغَضَبَه". ثم ذكَرَ أنه لا بأسَ على المسلمِ أن يَكسِرَها، وأن يُغيِّرَ هَيئتَها، وأنَّ تَغييرَها أَولى مِن تَغيير الأصنامِ.

ثم ذكَر -رحمه الله- أنَّ هذا الذي قاله هو ما عليه السَّلَفُ، وهو ما عَمِلوا به، ولم يَذكُرْ -رحمه الله- خلافًا عنهم في ذلك، يعني في إتلافِ آلاتِ اللَّهو التي ذَكَر منها صراحةً المزاميرَ.

فالطَّبَريُّ -رحمه الله- شأنُه شأنُ أئمَّةِ الإسلامِ في مُحارَبةِ كلِّ هذه الأشياءِ، وأنَّها تُؤدِّي -على حدِّ تَعبيرِ الطَّبَري- إلى سَخَطِ الله وغضَبِه، وأنها فقطْ لصِنفينِ -على حدِّ تَعبيرِه- هما: أهلُ الكفرِ، وأهلُ الفجورِ.

أقولُ: وليستْ للصَّحابةِ ومَن تبِعَهم بإحسانٍ، فلم يَفهَمِ الإمامُ الطَّبَري مِن حديثِ جابرٍ معنى يُغضب الله كإباحة المزاميرِ، أو يَنسُبَ -عياذًا بالله- للصَّحابةِ أنهم يَستمِعون للموسيقى.

أمَّا أبو عَوانةَ فإنَّه نصَّ على إباحةِ الدُّفِّ فقطْ، متى؟ في العيدِ فقطْ لا غيرُ، فقال: بابُ بَيانِ إباحةِ اللعِبِ في يومِ العيدِ، وضرْبِ الدُّفِّ أيامَ التَّشريق، والدليلِ على أنَّها في أيامِ غيرِ العيدِ مَكروهةٌ. [(2/155) طبعة دار المعرفة]. ولم يَستثْنِ الأعراسَ.

واستدلَّ -رحِمه الله- بحديثِ أبي بكرٍ، والكراهيةُ عنده تعني أنه مَنْهيٌّ عنه، كما في (2/9).

فأبو عَوانةَ لا يَرى الدُّفَّ في الأعراسِ، فضلًا عن أنْ يَرى المزاميرَ ونحوَها مِن آلات اللهْوِ، بل الأمرُ أبلَغُ مِن ذلك، وهو: أنَّه لَمَّا روَى أحاديثَ لَعِبِ الأحباشِ في المسجدِ، قال: هذه الأخبارُ تُعارِضُ أحاديثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه سمِعَ رجلًا يَنشُدُ ضالَّةً في المسجدِ، فقال: ( إنما بُنِيت المساجدُ لِما بُنِيَت له ). يَذكر أنَّ هذا الحديثَ معارَضٌ، ثم قال: وقد عاب اللهُ سُبحانه مَن يَنظُر إلى اللهْوِ فقال: { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا } [الجمعة:11]، فهو يرى أنَّ هذا أمْرٌ مَنهيٌّ عنه، ففَهِم مِن الآية عَيبَ مَن يَنظُرُ إلى اللهْوِ مطلقًا، ولم يُقيِّدْ ذلك بالخروجِ مِن الخُطبةِ، وإنما أتى باللفظِ العامِّ.

ممَّا يدلُّ على أنَّه -رحمه الله- يمنَعُ مِن ذلك، وتوقَّف -رحمه الله- في جَوازِ اللَّعِبِ في المسجدِ يومَ العيدِ، مع أنه ذكَرَ هذه الأحاديثَ.

وأخشى -واللهُ المستعانُ- أنْ يأتِيَنا باحثٌ آخَرُ فيقولُ: إنه يجوزُ وضْعُ ألْعابِ (السيركِ) في المساجِدِ، استدلالًا بحديثِ لَعِبِ الأحابيشِ في المسجدِ؛ فهذا -والله أعلمُ- لا يَقِلُّ سُوءًا وشرًّا عن الذي يَزعُمُ استِعمالَ الصحابةِ المعازفَ، واستِماعَهم للموسيقى؛ استدلالًا بحديثِ الكَبَرِ والمزاميرِ.

وعلى كلِّ حالٍ، فالذي عليه العالِمانِ الجليلانِ هو المَهْيَعُ الذي عليه أئمَّةُ الإسلامِ الكبارُ، أهلُ الاجتهادِ المطلَقِ، والذي صارت عليه المذاهبُ الأربعةُ مِن منْع آلاتِ اللَّهْو، واستثناءِ الدُّفِّ في مواطنَ خاصَّةٍ.

وإذ ذكَرْنا أنَّ هذا هو ما عليه هؤلاء، فهذا يَقودنا لتنبيهٍ مهمٍّ، وهو التنبيهُ التاسعُ:

يتبع






رد مع اقتباس