عرض مشاركة واحدة
قديم 02/11/2019, 10:38 AM   عدد المشاركات : 7
نصير
قدماء المشاركين فى المنتدى




نصير غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تنبيهات لتقويم الأقوال والمقالات .. مِثال تطبيقي / د. منصور بن حمَد العيدي

التَّنبيه السابعُ: أهمِّيةُ مَعرفةِ مناهجِ المؤلِّفين واصطلاحاتِ أصحابِ العُلوم.

هناك عِباراتٌ كثيرةٌ وجُمَل ربما يَحارُ فيها غيرُ المتخصِّص، وربما يَتوهَّم منها أشياءَ هي غيرُ مَصادِيقها، مثلُ جُملة: (رجالُه رِجالُ الصحيحِ)، ومثلُ جُملةِ: (سَندُه صحيحٌ)، الذي قد يُفهَم منهما أنَّ هذا الحديث مقبولٌ.

كذلك العلماءُ لهم طرائقُهم ومَناهجُهم في الحُكْمِ على الحديثِ ليستْ كلُّها محلَّ تسليمٍ، وعلماءُ الحديثِ مُتفاوِتون في الإتقانِ والضبْطِ، شأنُهم شأنُ غيرِهم من أصحابِ الصِّناعاتِ المختلفةِ، فمنْهم المتساهِلُ في التصحيحِ، ومنهم المعتدِلُ، ومنهم المتشدِّدُ في الحُكْمِ على الرِّجالِ، ومنهم دونَ ذلك؛ فمِن الحَسنِ أنْ أذكُرَ باختصارٍ أمثلةً على ذلك؛ ليَتبيَّن بها حجْمُ المبالَغةِ في ادِّعاءِ أنَّ كلَّ أولئك العلماءِ قد صحَّحوا الحديثَ.

فالإمام الطَّبَريُّ لم ينُصَّ صراحةً على تصحيحِ حديث جابرٍ هذا، فلم يقُلْ عنه صراحةً: إنه صحيحٌ، أو حسَنٌ، أو ثابتٌ، ولم يُشِرْ إلى أمرِ الحكْمِ على الحديثِ، ولم يكُن في ذلك السِّياقِ، وهو -رحمه الله- في كتابِه التفسيرِ مُقِلٌّ جدًّا مِن الحُكمِ على الأحاديثِ والآثارِ، بخلافِ -مثلًا- كتابِ تهذيبِ الآثارِ؛ فإنَّه يَحكُم على كلِّ حديثٍ يُصدِّرُ به البابَ؛ فلذا لا عجَبَ ألَّا يَذكُرَ في التفسيرِ الحُكمَ على حديث جابرٍ، وإنما فَهِم الدكتورُ هذا التصحيحَ مِن قول الطَّبَريِّ عن جابرٍ t: "لأنَّه قد أدرَكَ أمْرَ القومِ ومَشَاهدَهم"، هذا كلُّ ما قاله الطَّبَري، فعندَ الدكتور أنه يَلزَمُ على ذلك ثُبوتُ الخبرِ! والواقعُ أنَّ هذا ليس بصريحٍ في التصحيحِ، وسأضرِبُ لك مثالًا يُقرِّب لك المعنى:

هناك إسنادٌ في تفسير الطَّبَري يُروى به الكثيرُ من الآثارِ، وهو إسنادُ "أسباط بْن نَصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وابن مَسعودٍ، وناسٍ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم"، هذا إسنادٌ واحد، وهذا الإسنادُ نصَّ الطَّبَري صراحةً على تضعيفِه؛ مع أنه قلَّما يَفعَلُ ذلك، فقال عنه: "ولستُ أعلَمُه صحيحًا؛ إذ كنتُ في إسنادِه مُرتابًا"، فإذنْ هذا الإسنادُ عندَ الطَّبَري ضعيفٌ؛ يقول: "لستُ أعلَمُه صحيحًا"، فهو إسنادٌ ضعيفٌ بشكلٍ صريحٍ ومباشرٍ.

ومع ذلك لا يجِدُ الطَّبَريُّ غضاضةً في أن يَنسُبَ إلى ابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ بشكلٍ جازمٍ ما يَتضمَّنه هذا الإسنادُ مِن متْنٍ. فتَراهُ مثلًا يقول: "كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ" (1/479)، أو يقولُ: "مِن قول ابن مسعودٍ وابن عباسٍ" (1/423)، ونحوَ ذلك.

فإذا كان الطَّبَريُّ لا يجِدُ غضاضةً في نِسبة القول لهما بشكلٍ جازمٍ، مع أنه ضعَّفَ الإسنادَ إليهما بشكلٍ صريحٍ وجازمٍ أيضًا، فلأَنْ يَنسُبَ إلى جابرٍ شيئًا لم يَحكُمْ بصحَّتِه أو بضعْفِه هو مِن باب أَولى، وسِرُّ ذلك -والله أعلمُ-: أنَّ العلماءَ في التفسيرِ يَتساهَلون في أمْرِ الأسانيدِ، ولا يُشدِّدون فيها تَشديدَهم في الأحكامِ؛ ففي حديثِ جابرٍ أنَّ جابرًا إنَّما فسَّرَ لفظةً ولم يَتطرَّقْ إلى حُكْمٍ عَقَديٍّ أو فِقهيٍّ؛ فلهذا يَتساهَل العلماءُ -كالطَّبَريِّ وغيره- في هذه الأسانيدِ.

بل تَرى ابنَ أبي حاتمٍ في مقدِّمة تفسيرِه يَذكُر أنه اختارَ أصحَّ الأسانيدِ، فإذا فتَّشْت كتابَه رأيتَ أسانيدَ لا يَقبَلُها العلماءُ في الأحكامِ قطُّ؛ وإنَّما يمشُّونها في التفسيرِ، مثلُ إسناد العوفيِّينَ، وإسنادُه لا يَخْفى على الدكتورِ، وما ذاك إلَّا لأنَّ العلماء يَتساهلون في أمْر التفسيرِ أكثرَ مِن غيره، ما لم يَتضمَّنْ حُكمًا فِقهيًّا أو أمرًا عَقَديًّا.

ولهذا ستجِدُ أنَّ رأيَ الطَّبَريِّ الفقهيَّ في أمْرِ المزامير مختلفًا تمامَ الاختلافِ عن رأيِ الدكتورِ العوني، كما سيأتي.

مِن جِهةٍ أخرى؛ إن سألتَ عن منهجِ الطَّبَري في الجرْح والتعديلِ والحكْمِ على الأحاديثِ، ستَجِده رحمه الله -مع إمامتِه وتقدُّمِه في العلْمِ- يَنحو مَنحى التَّساهُلِ، وسأضرِبُ لذلك مثلًا واحدًا يَعرِفه الدكتور العونيُّ جيدًا:

وهو حديثُ: ((أنا مدينةُ العِلم وعلِيٌّ بابُها))، هذا الحديث صرَّح بوضْعِه كِبارُ النُّقاد، كابن مَعِين؛ قال عنه: كذبٌ ليس له أصلٌ، منكرٌ جدًّا، والإمامِ أحمدَ قال: كذبٌ ليس له أصلٌ، وابنِ حِبَّان قال: لا أصلَ له، والعُقَيليِّ: لا يصِحُّ في هذا المتْنِ حديثٌ، وابنِ عَدِيٍّ يقول: مُنكَر موضوعٌ، وابنِ العربيِّ يقولُ: باطلٌ، وابنِ تَيميَّةَ يقول: يُعَدُّ في الموضوعاتِ، وابنِ الجَوزيِّ: يَذكُره أيضًا في الموضوعاتِ، ونحو ذلك مِن العِبارات الشَّديدةِ.

إلَّا أنَّك تَعجَبُ أنَّ الطَّبَريَّ يرى أنه صحيحٌ ولا يُجِيب على تلك الأقوالِ في كِتابِه ((تَهذيب الآثار))، وما ذاك إلا لطَبيعةِ منْهجِه في قَبول الأخبارِ المائلِ إلى التساهُلِ؛ ولهذا تراهُ في هذا الحديث يُخالِفُ ما عليه أئمَّةُ النقْدِ الكِبارُ في عصرِ الرِّواية، وإنما يُوافِقُه بعضُ العلماء المتأخِّرين ممَّن جاء بعدَ هؤلاء بقُرونٍ، وهم -على فضْلهم- لا يَبلُغون مَبلَغَ أئمَّة النقْد المتقدِّمين.

ولهذا تجِدُ أهلَ العلم يَحتاطون من أحكامِ الطَّبَريِّ الصريحةِ على الأحاديثِ، فما بالُك بعبارةٍ ليستْ بصريحةٍ؟! ثم هي في أُمور تَفسيريَّةٌ.

أمَّا أبو عَوانةَ فكذلك لم ينُصَّ على تصحيحِ الحديثِ صراحةً. ولعلَّك تقولُ لي: وهل كان البخاريُّ ومسلمٌ ينُصَّان على صِحةِ كلِّ حديثٍ؟!

فأقولُ: رُودَيكَ! فالفرقُ كبيرٌ؛ فالبخاريُّ -رحمه الله- كتابُه في الصحيحِ، ومسلمٌ أيضًا كتابه في الصحيحِ، ومِن ثَمَّ ليس هناك حاجةٌ أن ينُصَّا على حديثٍ، أما أبو عَوانةَ فكتابه ليس كتابًا في الصحيحِ، وإنَّما هو كتابٌ مُستخرَجٌ، فالأمْر مُختلِف، والمستخرَجُ: هو أن يَعمَدَ المؤلِّفُ إلى كتابٍ ما، فيَروي أحاديثَ هذا الكتاب بأسانيدِه هو، هذا هو حقيقةُ المستخرَجِ وتَختلِفُ عن حقيقةِ الصحيحِ.

ربما تقولُ لي: أليس اسمُ كتاب أبي عَوانةَ "المستخرَج الصَّحيح"؟

أقول: قد حدَث اختلافٌ في اسم هذا الكتابِ هل يَتضمَّن كلمةَ "الصحيح" أو لا يَتضمَّنها، وإنْ تضمَّنَها فما معنى هذه الجُملة في العنوانِ إنْ صَحَّت؟

يأتينا الجوابُ مِن العلَّامة المُعلِّمي؛ حيث يقولُ: "ومع ذلك زاد أبو عَوانةَ أحاديثَ ضعيفةً لم يَحكُمْ هو بصحَّتِها، فإنما يُسمى كتابه صَحيحًا؛ لأنه مُستخرَجٌ على الصحيحِ، ولأنَّ مُعظَمَ أحاديثِه -وهي المستخرَجةُ- صِحاحٌ". ((التنكيل 1/457))، فإذًا تَسميتُه بالصحيحِ فيها جانبانِ: الأول: أنَّ مُعظَمَ الأحاديثِ لمَّا كانت مُستخرَجةً على صحيحِ مسلمٍ، فهي أحاديثُ مسلمٍ في الغالب، فلهذا صحَّ أنْ يُوصَف بالصحيحِ باعتباره مُستخرَجًا على كتابٍ صحيحٍ، وهو صحيحُ مسلمٍ، ولأنه -والحالةُ هذه- ستكون مُعظمُ أحاديثِه المستخرَجةِ صحاحًا وليس كلُّها. الثاني: أنَّ التسميةَ بِناء على الأغلَبِ.

ثم نبَّهَ المعلِّمي -رحمه الله- على أنَّ أبا عَوانةَ إذا أخرَجَ لرجلٍ في الإسنادِ، فإنَّ هذا لا يَعني التوثيقَ، يقولُ -رحمه الله-: "فإنَّ إخراجَه لرجلٍ لا يَستلزِمُ توثيقَه ولا تَصديقَه، بل صاحبُ الصحيحِ نفْسه -يعني مِثل البُخاريِّ أو مسلمٍ- قد يُخَرِّجُ في المتابعاتِ والشواهدِ لمَن لا يوثِّقُه، وهذا أمْرٌ معروفٌ عند أهل الفنِّ"، ((التنكيل -1/457- طبعة دار الباز)).

لا أظنُّ أنَّه يَخفَى على الدكتورِ العوني مثلُ هذه الأشياءِ، بل إذا رجَعْتَ إلى مقدِّمةِ أبي عَوانةَ، فلن تجِدَ حرفًا واحدًا أنه الْتزَمَ ألَّا يَذكُرَ إلا ما صحَّ عنده، فضلًا ما عند غيرِه، ربما تقولُ: أليس ابنُ حَجَرٍ وغيرُه سمّاهُ صحيحًا؟ ويقولُ هو وغيرُه: صحَّحه أبو عَوانةَ.

أقول: الجوابُ ما سبَق، وهو: أنَّ هذا من بابِ الأغلَبِ، وهذا بالمناسبةِ ما نصَّ عليه مَن حقَّق كتاب أبي عَوانةَ، وهم أعلمُ الناسِ بالكتابِ الذي حقَّقوه، فإنَّما قالوا: "ووصْفُه بالمختصَرِ لعدَمِ استيعابِه جميعَ الأحاديثِ النَّبويةِ، ووصْفُه بالصَّحيحِ باعتبارِ أغْلَبِ أحَادِيثه" ((مقدمة المستخرج ص 81))، بل إنَّ ابنَ حجرٍ نفْسَه يقولُ عن المستخرَجاتِ:

"وأمَّا مَن بيَّن المُستخرِجِ وبيَّن ذلك الرَّجلِ فيَحتاجُ إلى نَقدٍ؛ لأنَّ المُستخرِجَ لمْ يَلتزِمِ الصِّحةَ في ذلك، وإنَّما جُلُّ قَصْدِه العُلوُّ، فإنْ حصَلَ وقَعَ على غَرَضِه، فإنْ كان مع ذلك صحيحًا أو فيه زِيادةُ حُسْنٍ حصَلَتِ اتِّفاقًا، وإلَّا فليس ذلك همَّتَهُ". ((تدريب الراوي 1/121)).

وبالوجهِ الأولِ الذي ذكَره المعلِّمي يُفسَّر ما ذكَره ابنُ حجر في مُقدِّمة الإتحافِ مِن قولِه: "فوجدتُ فيها عدَّةَ تصانيفَ قد الْتزَمَ مصنِّفوها الصِّحةَ" (1/158)، على أنه -رحمه الله- خالَفَ ذلك في النُّكَتِ على ابن الصلاحِ، ففرّقَ صراحةً بين مَن اشترَطَ الصِّحةَ وبين المسْتخرَجاتِ، كما تعقَّبَ مَن سمَّى الدارميَّ صحيحًا. ((النكت ص 127، 131)).

وأُنَبِّه هنا إلى أنَّ حديثَ جابرٍ الذي ذكَره الدكتور العونيُّ إنَّما أتى به أبو عَوانةَ في الشواهدِ؛ حيث ذكَرَه آخِرَ حديثٍ مرفوعٍ في باب: ذكر الخبَرِ المبيِّنِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَخطُب قائمًا، فهو ساقه مَساقَ الشواهدِ، ولم يَذكُرْه في تفسيرِ سورة الحجِّ، ولا في أحكامِ النِّكاحِ.

والشواهد يتوسَّع فيها مسلمٌ صاحبُ الأصلِ، فما بالُك بمَن استخرَجَ عليه.

فالقولُ بأن كلَّ ما في المستخرَجاتٍ صحيحٌ عند أصحابِها أمرٌ بعيدٌ عن الدِّقةِ؛ لأنَّ قصْدَه في الأساسِ هو العُلوُّ وليس الصِّحةَ، وهو الأمرُ الذي نصَّ عليه ابنُ حَجَرٍ رحمه الله، أما مَكانةُ أبي عَوانةَ في النقْدِ وتساهُلُه في الحكْمِ على الرِّجالِ، فهذا أمْرٌ يَعرِفُه المتخصِّصون، ويَعرِفُه الدكتورُ العوني، خُذْ مثالًا على ذلك حديثَ سعدٍ: ((أنَّ قومًا شَكوا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قحْطَ المطَرِ، فقال لهم: اجْثُوا على الرُّكُبَ...))، ذكَر غيرُ واحدٍ من العلماءِ قديمًا وحديثًا أنه حديثٌ مُنكَر. كما نبَّه الذهبيُّ وابنُ حَجرٍ على بعضِ الوضَّاعينَ في أسانيدِ حَديثِه.

فلعلَّ القارئَ الكريمَ يَنتبِهُ إلى طَبيعةِ أسانيدِ التفسيرِ وما فيها مِن التساهُلِ، وطَبيعةِ كُتب المستخرَجاتِ، وما غرَض أصْحابِها منها، والفرْقِ بيْنها وبيْن المؤلَّفاتِ في الصحيحِ التي اشترَطَ أصحابُها صحَّةَ الحديثِ عِندَهم فيما يَذكُرونه.

وحيث انجرَّ القلَمُ إلى هذا فلا مَناصَ مِن أن أُشِيرَ إلى أنَّ الدكتورَ العونيَّ -سامَحَه الله- أقحَمَ اسمَ الحافظِ ابنِ سلَمةَ في جُملةِ مَن صحَّحَ هذا الحديثَ، وهذا الأمْرُ لا يتَّفق مع أبسَطِ مَبادئِ العِلم؛ فإنَّ كتابَ ابنِ سلَمَةَ مفقودٌ مِن قُرونٍ لم يُوقَفْ عليه، بل قدِ اختُلِفَ هل هو كِتابٌ في الصحيحِ أمْ في المستخرَجاتِ؟

والذهبيُّ -رحمه الله- يقولُ عنه -كما في الرِّسالةِ الكتانيةِ-: "له مُستخرَجٌ كهيئة صَحيحِ مُسلمٍ" (ص 28). فإذا كان العلماءُ مُختلِفينَ في حال كُتبٍ بين أيديهم ومُرادِ مؤلِّفيها، فكيف سيكونُ الحالُ في كتاب مفقودٍ مِن قُرونٍ؟ والأصلُ ألَّا نَنسُبَ لأحدٍ قولًا بالظنِّ، وفرْقٌ كبيرٌ بين العمَلِ بالظنِّ وبين نِسبةِ أقوالٍ لأشخاصٍ بالظنِّ، كيف ونحن مأْمورون بالتثبُّتِ؟!

ومِن الأوهامِ عند بعضِهم: اعتقادُهم أنَّ مُستخرَجَ أبي عَوانةَ هو مُستخرَجٌ أيضًا على كتابِ أحمدَ بنِ سَلَمةَ، وهذا أيضًا غيرُ دقيقٍ؛ ولذا يقول محقِّقُ الكتابِ: "يَختصُّ الاستخراجُ في الموضعِ الذي يقولُ فيه أبو عَوانةَ: "مِن هنا لم يُخرِّجاهُ" بكونِه على صحيحِ مسلمٍ، وأبي الفَضل أحمدَ بنِ سَلَمةَ، وأمَّا ما سواهُ فالاستخراجُ فيه مُختصٌّ بأصلِ مَوضوعِ الكتابِ على صَحيحِ مُسلمٍ وحْدَه"، هذا هو الأصلُ أنه مُستخرَجٌ على صَحيحِ مُسلمٍ وحْدَه.

فأرجو الآنَ أنه قد تَبيَّن لك أنَّنا لا نَملِكُ نصًّا صريحًا عن الطَّبَريِّ ولا عن أبي عَوانةَ يُفيدُ صِحَّةَ الحديثِ، وأنَّ فَهْمَ ذلك مِن كلامِهم أمرٌ خاضعٌ للاحتِمالِ، أما نَسبةُ التصحيحِ لابنِ سَلَمةَ فبعيدٌ جدًّا.

ستَقول لي: ماذا عن المعاصرين؟ ألم يُصَحِّحوه؟ ألم يقُلِ الوادعيُّ: رجالُه رجالُ الصحيحِ، ألم يقُلِ الأرناؤوطُ وأصحاب كِتابِ الاستيعابِ: صحيحُ الإسنادِ؟!

فأقول جوابًا عن ذلك: إنَّ الدكتورَ العوني يَعرِف جيدًا أنَّ هذه العباراتِ لا تُفيدُ الحكْمَ على الحديثِ لا بالصحةِ ولا بالحُسْنِ؛ فعِبارة "رجالُه رجالُ الصحيحِ"، وعبارة "صحيحُ الإسنادِ"، هاتانِ لا تُفيدانِ الحكْمَ على الحديثِ لا بالصحةِ ولا بالحُسْنِ، وسأبيِّن ذلك لك باختصارٍ، وهو أنَّ الحديث الصحيحَ هو ما اجتمَعَ فيه الشُّروط الخمسةُ: (عدالةُ الرُّواةِ - ضبْط الرُّواة - اتِّصال السنَدِ ظاهرًا - السلامةُ مِن الشُّذوذ - السلامة مِن العِلَّةِ).

فإذا قال العالمُ -لا سيَّما من المتأخِّرين- عن حديثٍ: إنه صحيحُ الإسنادِ أو حسَنُ الإسنادِ، فقد ضَمِن لك الشُّروطَ الثلاثةَ الأُولى (العدالة - الضَّبْط - الاتِّصال)، لكنَّه لم يَضمَنْ لك الشَّرطينِ الآخَرينِ: الشَّرْطَ الرابعَ والخامِسَ؛ لماذا؟

لأنَّهما يَحتاجانِ إلى جهْدٍ مُضاعفٍ، وخبرةٍ واسعةٍ، وقُدْرةٍ على جمْعِ الطُّرقِ وتَحليلِها، فرُبَّما لا يُسعِفُه الوقتُ لذلك، وفي الوقتِ نفْسِه لا يُريد أنْ يُحرِمَ القارئَ من الفائدةِ، فيقولُ عنه: الحديث صحيحُ الإسنادِ، أو حَسنُ الإسنادِ، فكأنَّه ضمِنَ لك الشروطَ الثلاثةَ الأُولى، لكن لا تَحكُم أنت -كما لم يَحكُمْ هو- على الحديثِ بالصِّحةِ أو الحُسْنِ، إلا إذا توفَّرت الشُّروط الخمسةُ، فتَنبَّهْ لهذا.

وأضعَفُ مِن عبارةِ (صحيح الإسنادِ - حَسن الإسنادِ)، قولُهم: رجالُه رجالُ الصحيحِ؛ لأنَّ هذا لا يفيد تحقُّقَ الشرطِ الثالثِ؛ وذلك لأنَّه ليس كلُّ رجالِ الصحيحِ يُقبَلُ حديثُهم في كلِّ الأحوالِ، فقدْ يُقبَلُ في حالٍ دون حالٍ، وفي الأمر تَفصيلٌ لا أُريد الإطالةَ عليك فيه، وبالإمكانِ مُراجعة كتاب اختصارِ عُلوم الحديثِ لابن كثير (ص43).

فأرجو أنْ يكونَ قد تبيَّن لك بهذا أنَّ قولَ الوادعيِّ: "رجالُه رجالُ الصحيحِ"، وقولَ الآخرينَ: "إسنادُه صحيحٌ"، لا يعني أنهم يُصحِّحون الحديثَ؛ وإنما فقط حسَّنه الوادعيُّ بقولِه: حديثٌ حسنٌ فقط، وأظنُّ به -رحمه الله- أنه لم يقِفْ على عِلَّتِه.

وهنا أريدُ أنْ أنَبِّهَ القارئَ الكريمَ لأمْرٍ مهمٍّ؛ وهو: لو فرَضْنا أنَّ الطَّبَريَّ وأبا عَوانةَ وابنَ سَلمةَ قد صحَّحوا الحديثَ، أو لو فرَضْنا أنَّك مُقتنِعٌ تمامًا بأنهم قد صحَّحوا الحديثَ، بل وافقْتَ وآمنتَ بكلِّ هذا؛ فهل يعني هذا أنَّ الطَّبَريَّ وأبا عَوانةَ يُبِيحانِ الموسيقى والمعازفَ... إلى آخِره؟ الجوابُ في التنبيهِ التالي:

يتبع






رد مع اقتباس