عرض مشاركة واحدة
قديم 01/11/2019, 10:48 AM   عدد المشاركات : 6
نصير
قدماء المشاركين فى المنتدى




نصير غير متواجد حالياً


افتراضي رد: تنبيهات لتقويم الأقوال والمقالات .. مِثال تطبيقي / د. منصور بن حمَد العيدي

التنبيه السادس: الواجبُ هو الاحتياطُ في التعميمِ :

ممَّا نَسمَعه كثيرًا دعوى الإجماعِ في مسائِل، أو نفْي الخِلافِ فيها، حتى إنَّك لتعجَبُ أنَّ في المسألةِ قولينِ، وكلَّ صاحبِ قولٍ يَنسُبُ قولَه إلى الإجماعِ! وترى عِندَ بعضِ الناسِ إطلاقَ هذه التعميماتِ في مسائِلَ عِلميَّةٍ، كقولِ: هذا الحديثُ اتُّفِق على صِحَّتِه أو اتُّفِق على ضَعفِه، أو لم يُضعِّفْه أحدٌ، ونحو ذلك من العِباراتِ.

والذي ينبغي على الباحثِ أنْ يَستقرئَ بشكلٍ جيِّد، ثم بعدَ ذلك يحتاطُ لنفْسه، فيقول: لا أعلمُ في المسألةِ خِلافًا، لا أعرِفُ أحدًا صحَّحَ هذا الحديثَ، بحيثُ يَنسُبُ الأمْرَ إلى نفْسِه، لا أنْ يَقطعَ زاعمًا بأنَّه ليس في المسألةِ خلافٌ؛ هكذا بإطلاقٍ!

إنَّ مَن يَسلُكُ هذه الطريقَ فإنَّه يحتاطُ لنفْسِه أولًا؛ لأنَّه نسَبَ الأمرَ لنفْسِه ولم يَحكِه بإطلاقٍ، وأيضًا إذا استدرَك عليه مُستدرِكٌ فإنَّه لن يَشعُرَ بالحرجِ الكبيرِ.

وبعضُ الناسِ رُبَّما ادَّعى إجماعًا ونحوَه، ثُم رُبَّما أَوْردَ عليه آخَرُ قولًا مخالِفًا، فهنا تجدُ هذا الشخصَ يَحرِصُ على الانتصارِ لنفْسِه بأيِّ شكلٍ مِن الأشكالِ، ورُبَّما تعسَّف وتكلَّفَ؛ ليُحافِظَ على إجماعِه المزعومِ!

يقولُ الدكتورُ في مقاله بعدَ أنْ ذكَر هذا الحديثَ الذي يَزعُم أنَّه يدلُّ على استماعِ الصحابةِ للمُوسيقَى، يقولُ -وهو يستبقُ الأحداثَ-:"بأنَّ المُعارِضين سيحاولون تَضعيفَ الحديثِ بلا سَلَفٍ ولا حُجَّةٍ"، هذا كلامُ الدكتور، فلمَّا أُوردَ عليه: أنَّ إمامَ الصنعةِ إمامَ العِللِ الدارقطنيَّ قد ضعَّفَ هذا الحديثَ، اضطرَّ الدكتورُ أنْ يُجيبَ بجوابٍ يبدو أنَّه هو نفْسُه لم يكُنْ مُقتنِعًا به، فقال: "قد يكونُ حَديثَينِ مُنفصلَينِ"؛ فذكر ذلك مُصدِّرًا بحرْفِ (قد)! وحاول أنْ يُطيلَ في تقريرِ ذلك، فأتَى بتناقُضٍ سأَذكُره بعدَ قليلٍ.

ولا شكَّ أنَّ هذا التراجُعَ وهذا التبريرَ يدْعو إلى الابتسامةِ، ربما هو رأيٌ له شخصيٌّ، لكنْ هذا أبعدُ ما يكونُ عن رأي الدارقطنيِّ، لم يَنتبِه الدكتورُ -سامَحه اللهُ- إلى أنَّه قبْلَ أسطرٍ ذَكَر: "أنَّ الفرويَّ تابَعَ الوُحَاظيَّ على إسنادِه". أقولُ: إنْ كان قدْ تابَعَه؛ فلماذا جعلتَهما حديثَينِ؟! بل اجعَلْهما حديثًا واحدًا، وعند ذلك فيَلزمُك أنْ تُسلِّمَ أنَّ الدارقطنيَّ قد ضعَّفَ الحديثَ.

وإنْ قلتَ: بل هما حديثان؛ فإذنْ لا يصحُّ لك أنْ تقولَ: إنَّ الفرويَّ قدْ تابعَ الوُحَاظيَّ؛ لأنَّ الفرويَّ لم يَذكُرْ لا قِصَّةَ الكَبَر ولا المزاميرَ ولا العُرس، وعند ذلك سيكونُ الحديثُ قد تفرَّدَ به الوُحَاظيُّ، وهو الأمرُ الذي أنتَ تُنكِرُه؛ فكان مِن الأَوْلى للدكتورِ -وفَّقه الله- أنْ يحتاطَ لنفْسِه، وأنْ يُعبِّرَ بتعبيرٍ أكثرَ تواضُعًا، لا سيَّما أنَّه حتى بعدَ جوابِه هذا قد يُورَدُ عليه: بأنَّ الحديثَ قد ضعَّفه عالمٌ آخَرُ؛ فماذا هو صانعٌ؟ وهذا ما حصَل بالفِعلِ، فالسمعانيُّ أيضًا قد ضعَّفَ هذا الحديثَ في تفسيرِه بإشارةٍ صريحة! ((تفسير السمعاني 5/436))؛ فهل سيَخترِعُ جوابًا آخَرَ؟!

لقد كان يُغني عن كلِّ هذه العباراتِ الواسعةِ: أنْ يكونَ التعبيرُ مُقتصِرًا على شخصِه، مِن قبيل: لا أعرِفُ أحدًا ضعَّفَه. لم يُضعَّفْ بعِبارةٍ صريحةٍ؛ كان ذلك هو الأوْلى، لا أنْ يجزِمَ بذلك الجزمِ، ثم بعدَ ذلك تَتابَعُ عليه الإيراداتُ، فيضطرُّ أنْ يُجيبَ بأجوبةٍ ضعيفةٍ.

وهناك أمرٌ آخَرُ لا يقِلُّ سُوءًا عمَّا مضى، وهو قول الدكتور: إنَّه "بلا سَلَفٍ ولا حُجَّةٍ"، أي: سيُضعِّفونه بلا سلفٍ ولا حُجَّةٍ، وما أدراه؟! هل أحاطَ بكلِّ العِلمِ فتمكَّن مِن نفْي الحُجَّةِ عن الآخَرين؟! هل مِن إنصافِ الخصمِ أنْ تقولَ له: ليس له حُجَّة، وهو أصلًا لم يتكلمْ ولم يُدلِ بدَلْوه، وربما كان عندَ الخصمِ حُجَجٌ كثيرةٌ، وإذا كنتَ لا تَقتنِعُ بها فلعلَّ غيرَك يَقتنِعُ بها، وربَّما تكونُ صحيحةً في نفْسِها وأنت لا ترَى ذلك؛ فليس مِن الإنصافِ أنْ تنفيَ عن الخصمِ الحُجَّةَ وهو أصلًا لم يبدأْ ليُدليَ بدَلْوِه.

وهنا لا بدَّ أنْ يَنتبهَ القارئُ الكريمُ إلى أنَّه لا يُشترَطُ لتضعيفِ الحديثِ أو تصحيحِه أنْ يكونَ للعالِم سلَفٌ؛ وإنَّما المشروطُ أنْ تكون هناك حُجَّةٌ على هذا التصحيحِ، أو هذا التضعيفِ، وأيضًا فليس خصمُك هو المطالَبَ بإثباتِ ضعْفِ الحديثِ، بل أنتَ المطالَبُ بإثباتِ صِحَّتِه، وأنتَ المطالَبُ -يا دكتور- بدفْعِ الاعتراضاتِ عنه.

ولا يَكفي -وهو يَتبنَّى الحديثَ بقُوَّةٍ- أنْ يُقلِّدَ غيرَه في التصحيحِ، لا سيَّما وقد ضعَّفَه بعضُ الأكابرِ، وليس الأصلُ في الأحاديثِ الصِّحَّةَ إلا إذا كانتْ عند الشيخينِ، والواقع: أنَّ الحديثَ في سندِه إشكالاتٌ لا تَخفَى على المتخصِّص، ولكن لا بُدَّ لي مِن تَسهيلِها للقارئ المثقَّفِ، وهنا فلْيَسمحْ لي القارئُ الكريمُ أنْ أُبيِّنَ له بشكلٍ مُختصرٍ جِدًّا شيئًا من عِلَلِ هذا الحديثِ، ولن أُطيلَ.

أقول: هذا الحديثُ الذي ذَكرَه الدكتورُ فيه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَخطُبُ خُطبتَينِ، فيجلسُ بينهما، وكان يَخطبُهما وهو قائمٌ؛ فكانتِ الجواري إذا أُنكِحْنَ يَضرِبْنَ بالكَبَر والمزاميرِ... الحديث. أقول: هذا الحديثُ لا يصحُّ إلَّا مُرسَلًا، يعني: هو مِن كلامِ مُحمَّد بن عليِّ بن الحُسَينِ التابعيِّ الجليلِ، يَرفعُه إلى النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ، وليس هو مِن حديثِ جابرٍ، إنما هو حديثٌ مُرسَلٌ.

وإنما الذي يصحُّ عن جابرٍt حديثٌ آخَرُ، وهو أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَخطُب: فيَحمَدُ اللهَ ويُثني عليه، ويَذكُر الساعةَ كأنَّه مُنذِرُ جيشٍ، وهنا – في الحديث الذي احتجَّ به الدكتور- نجِد أحدَ رُواتِه، وهو سليمانُ بنُ بلالٍ وهِمَ فجَعَل الحديثَ مِن كلامِ جابرٍ موصولًا لا مُرسَلًا، وهو خطأٌ نبَّه عليه الدارقطنيُّ -رحمه الله.

إلَّا أنَّ بعضَ الرُّواةِ زادَ على الخطأِ خطأً آخَرَ، فأضافَ إلى أمْرِ الخُطبتَينِ تلك القِصَّةَ التي فيها عُرسُ الجواريِ والكَبَر والمزامير، وهذا الخطأُ يَحتمِلُ أنْ يكونَ مِن يَحيى بن صالح الوُحاظيِّ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ مِن شيخِه سُليمانَ بنِ بلالٍ؛ ولهذا ترَى أنَّ حُميدَ بنَ الأسودِ يَروي هذا الحديثَ عن جَعفرِ بنِ محمَّد، عن أبيه مُرسلًا، وابنَ أبي أُويس يَرويه أيضًا عن سُليمانَ بنِ بلالٍ مُرسَلًا.

ويَشهدُ لكونِ الحديثِ مُرسَلًا غيرَ موصولٍ: أنَّ الغالبَ على رِواياتِ جَعفرِ بنِ محمَّدٍ الإرسالُ، كما قال الحافظُ الذهبيُّ -رحمه الله- في ((السير 6/257))، وإنَّما جاءتِ القِصةُ موصولةً مِن طريقٍ آخَرَ ليس فيه لا كَبَر ولا مَزامير؛ وإنَّما فيها لَعِبٌ ولهوٌ، كما عند الطحاويِّ في أحكامه ((ص235))، وربَّما هي تلك الروايةُ التي عند ابنِ المنذِرِ.

فالخلاصةُ: أنَّ الوُحَاظيَّ تفرَّدَ عن سُليمانَ بنِ بلالٍ بلَفظَتَي الكَبَر والمزامير،كما تَفرَّد أيضًا فجعَل الحديثَ موصولًا بهاتينِ اللَّفظتَينِ، خِلافًا لبَقيَّةِ الطُّرقِ التي ليستْ فيها هذه اللفظةُ، أو تكون مُرسَلةً غيرَ موصولةٍ، ونحن نَعرِفُ أنَّ الإرسالَ نوعٌ مِن أنواعِ الحديثِ الضعيفِ، وهذا الحديثُ حتى لو فُرِضَ أنَّه يصحُّ موصولًا فإنَّه معلولٌ بالتفرُّدِ؛ ولهذا فإنَّ الإمامَ مسلمًا صاحبَ الصَّحيحِ يَروي كثيرًا من أحاديثِ سُليمانَ بنِ بلالٍ، عن جَعفرِ بنِ محمَّدٍ، عن أبيه عن جابرٍ؛ إلَّا أنَّه أهْمَل هذا الحديثَ، وإهمالُه قرينةٌ عند أهلِ العِلمِ بالحديثِ على أنَّه لا يصحٌ؛ إذ لو كان الحديثُ غيرَ معلولٍ عند الإمامِ مُسلمٍ لذَكرَه، لكنَّ إعراضَه عنه قرينةٌ على وجودِ عِلَّةٍ فيه، والواقع أنَّ الإشكالاتِ في الحديثِ أكثرُ مِن ذلك، لكنَّ المقامَ لا يتَّسعُ إلى البَسطِ.

فأنتَ ترَى -أيُّها القارئُ الكريم- أنَّ هذا الحديثَ قد حصَل فيه اختلافٌ في إسنادِه، وحصَل فيه اختلافٌ في متْنِه، وزادنا الدكتورُ -وفَّقه الله- إشكالًا آخَرَ، وهو أنَّه لا يُدرَى هل هو حديثٌ واحدٌ أو حديثانِ؛ فهذا التلوُّنُ الشديدُ يُورِثُ الشُّبهةَ القويَّةَ التي تَجعَلُ المرءَ في أقلِّ الأحوالِ يَحتاطُ في نِسبةِ هذا الحديثِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ إذا لم يجزمْ بتعليلِه على الوجهِ الذي ذهبَ إليه الدارقطنيُّ والسمعانيُّ.

وأنا هنا أؤكِّد على أنَّ هذا الإشكالَ ليس هو الإشكالَ الوحيدَ في الحديثِ، وأظنُّك الآنَ ستقولُ: إذا كان الحديثُ -كما وصفتَ- ضعيفًا؛ فلماذا صحَّحه جمهرةٌ مِن العلماءِ، مِثل الطبري، وأبي عَوانةَ، وأحمد بن سَلَمة، والأرناؤوط، وسُليم الهلالي، والوادعي كما يقولُ الدكتور، حيثُ سرَد هذه الأسماءَ قائلًا: كلُّهم قد صحَّحوا هذا الحديثَ.

فأقولُ: ليس الأمرُ كما وصفَه الدكتور، بل في هذا الكلامِ قدرٌ كبيرٌ مِن المبالغةِ، بل ستُفاجَأُ إنْ قلتُ لك: إنَّه لم يَصدُرْ عن أحدٍ مِن هؤلاءِ تنصيصٌ على صحَّةِ هذا الحديثِ، وأنَّ أقْصَى ما في الأمرِ أنَّ الشيخَ الوادعيَّ -رحمه الله- قال عنه: حديثٌ حسنٌ، وهذا ما سأُوضِّحُه لك في التنبيهِ التالي.

يتبع






رد مع اقتباس