أعلان إدارة السرداب

العودة   AL SerdaaB - منهاج السنة السرداب > ~¤§¦ المنتـديات العامـة ¦§¤~ > الـــــتــــوحـــــــــــيـــــــــــــد
المتابعة التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 06/03/2010, 09:09 PM   رقم المشاركه : 1
نــــوران
سردابي متميز جداً
 
الصورة الرمزية نــــوران





  الحالة :نــــوران غير متواجد حالياً
افتراضي التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية...د صالح بن فوزان






التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية


للدكتور صالح بن فوزان الفوزان


قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي -بمصر- رحمه الله:
(1)هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة:
أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري،
وأبي عبدالله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين
ويدينون به رب العالمين .


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد: فإن العقيدة هي أساس الدين، وهي مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،
والركن الأول من أركان الإسلام(1)، فيجب الاهتمام بها والعناية بها ومعرفتها، ومعرفة ما يخل بها،
حتى يكون الإنسان على بصيرة، وعلى عقيدة صحيحة؛ لأنه إذا قام الدين على أساس صحيح صار ديناً
قيماً مقبولاً عند الله، وإذا قام على عقيدة مهزوزة ومضطربة، أو عقيدة فاسدة، صار الدين غير صحيح،
وعلى غير أساس، ومن ثم كان العلماء -رحمهم الله- يهتمون بأمر العقيدة ولا يفترون في بيانها في
الدروس وفي المناسبات، ويرويها المتأخر عن المتقدم.
كان الصحابة -رضي الله عنهم- ليس عندهم أي شك فيما جاء به القرآن وما جاءت به سنة رسول الله،
صلى الله عليه وسلم، فكانت عقيدتهم مبنية على كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
ولا يعتريهم في ذلك شك ولا توقف، فما قاله الله وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم اعتقدوه ودانوا به،
ولم يحتاجوا إلى كتابة تأليف؛ لأن هذا مسلّم به عندهم ومقطوع به وكانت عقيدتهم الكتاب والسنة،
ثم درج على ذلك تلاميذهم من التابعين الذين أخذوا عنهم، فلم يكن هناك أخذ وردّ في العقيدة،
كانت قضية مسلمة، وكان مرجعهم الكتاب والسنة.
فلما ظهرت الفرق والاختلافات، ودخل في الدين من لم ترسخ العقيدة في قلبه،
أو دخل في الإسلام وهو يحمل بعض الأفكار المنحرفة، ونشأ في الإسلام من لم يرجع إلى الكتاب
ولا إلى السنة في العقيدة، وإنما يرجع إلى قواعد ومناهج أصلها أهل الضلال من عند أنفسهم،
عند هذا احتاج أئمة الإسلام إلى بيان العقيدة الصحيحة وتحريرها وكتابتها وروايتها عن علماء الأمة،
فدونوا كتب العقائد، واعتنوا بها، وصارت مرجعاً لمن يأتي بعدهم من الأمة إلى أن تقوم الساعة.

وهذا من حفظ الله تعالى لهذا الدين، وعنايته بهذا الدين، أن قيض له حملة أمناء يبلغونه كما جاء
عن الله وعن رسوله، ويردون تأويل المبطلين وتشبيه المشبهين، وصاروا يتوارثون هذه العقيدة
خلفاً عن السلف.

ومن جملة السلف الصالح الذين كانوا على الاعتقاد الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه والتابعين، من جملتهم الأئمة الأربعة الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي،
والإمام أحمد، وغيرهم من الأئمة الذين قاموا بالدفاع عن العقيدة وتحريرها، وبيانها وتعليمها للطلاب.

وكان أتباع الأئمة الأربعة يعتنون بهذه العقيدة، ويتدارسونها ويحفظونها لتلاميذهم،
وكتبوا فيها الكتب الكثيرة على منهج الكتاب والسنة، وما كان عليه المصطفى، صلى الله عليه وسلم،
وأصحابه رضي الله عنهم والتابعون، وردوا العقائد الباطلة والمنحرفة، وبينوا زيفها وباطلها،
وكذلك أئمة الحديث: كإسحاق بن راهويه، والبخاري، ومسلم والإمام ابن خزيمة، والإمام ابن قتيبة،
ومن أئمة التفسير: كالإمام الطبري، والإمام ابن كثير، والإمام البغوي، وغيرهم من أئمة التفسير.

وألفوا في هذا مؤلفات يسمونها بكتب السنة، مثل كتاب السنة لابن أبي عاصم،
وكتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، والسنة للخلال، والشريعة للآجري، وغير ذلك.

ومن جملة هؤلاء الأئمة الذين كتبوا في عقيدة السلف:
الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي(2)،
من علماء القرن الثالث بمصر، وسمي بالطحاوي نسبة لبلدة في مصر،
فكتب هذه العقيدة المختصرة النافعة المفيدة.

وكتبت عليها شروح، حوالي سبعة شروح، ولكن لا تخلو من أخطاء؛
لأن الذين ألفوها كانوا على منهج المتأخرين، فلم تخل شروحهم من ملاحظات ومخالفة
لما في عقيدة الطحاوي، إلا شرحاً واحداً فيما نعلم، وهو شرح العز بن أبي العز رحمه الله(3)،
المشتهر بشرح الطحاوية، وهذا من تلاميذ ابن كثير فيما يظهر، وقد ضمن شرحه هذا منقولات
من كتب شيح الإسلام ابن تيمية، ومن كتب ابن القيم، ومن كتب الأئمة، فهو شرح حافل،
وكان العلماء يعتمدون عليه ويعتنون به؛ لنقاوته وصحة معلوماته،
فهو مرجع عظيم من مراجع العقيدة، والمؤلف –كما ذكر- ألف هذه العقيدة على مذهب أهل السنة
عموماً، ومنهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي،
فهو أقدم الأئمة الأربعة وأدرك التابعين وروى عنهم .
وكذلك صاحباه أبو يوسف، ومحمد الشيباني، وأئمة المذهب الحنفي.
ذكر عقيدتهم، وأنها موافقة لمذهب أهل السنة والجماعة، وفي هذا ردٌ على المنتسبين إلى الحنفية
في الوقت الحاضر أو في العصور المتأخرة، ينتسبون إلى الحنفية ويخالفون أبا حنيفة في العقيدة،
فهم يمشون على مذهبه في الفقه فقط، ويخالفونه في العقيدة، فيأخذون عقيدة أهل الكلام والمنطق،
وكذلك حدث في الشافعية المتأخرين منهم يخالفون الإمام الشافعي في العقيدة،
وإنما ينتسبون إليه في الفقه، كذلك كثير من المالكية المتأخرين ليسوا على عقيدة الإمام مالك،
لكنهم يأخذون من مذهب مالك في الفقه فقط، أما العقيدة فهم أصحاب طرق وأصحاب مذاهب متأخرة.

ففي هذه العقدية ردٌ على هؤلاء وأمثالهم ممن ينتسبون إلى الأئمة، ويتمذهبون بمذاهب الأئمة الأربعة،
ويخالفونهم في العقيدة، كالأشاعرة: ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري في مذهبه الأول،
ويتركون ما تقرر واستقر عليه أخيراً من مذهب أهل السنة والجماعة، فهذا انتساب غير صحيح؛
لأنهم لو كانوا على مذهب الأئمة لكانوا على عقيدتهم .

---------------
( 1) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" .
أخرجه البخاري رقم (8) ومسلم رقم (16) .
(2) الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها، برز في علم الحديث والفقه وجمع
وصنف، وكان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً لم يخلف مثله، ومن نظر في تواليف هذا الإمام علم محله من العلم
وسعة معارفه، توفي سنة 321هـ رحمه الله تعالى. انظر: سير أعلام النبلاء (15/27-33).
(3) هو الإمام العلامة صدر الدين أبو الحسن علي بن علاء الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي
الأذرعي الصالحي نشأ رحمه الله في أسرة ذات نباهة وذكر وتتلمذ على الحافظ ابن كثير ونصر أقوال
ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله جمعياً.


يتبع ان شاء الله












التوقيع




  رد مع اقتباس
قديم 06/03/2010, 09:10 PM   رقم المشاركه : 2
نــــوران
سردابي متميز جداً
 
الصورة الرمزية نــــوران





  الحالة :نــــوران غير متواجد حالياً
افتراضي رد: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية...د صالح بن فوزان


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نتبع هذا الملف ان شاء الله


نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ لا شريك له.

نقول، أي ؛ نعتقد في توحيد الله عز وجل.

والتوحيد لغة: مصدر وحّد: إذا جعل الشيء واحداً.

وشرعاً: إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وترك عبادة ما سواه.

وأقسامه ثلاثة بالاستقراء من كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم،
وهذا ما تقرر عليه مذهب أهل السنة والجماعة، فمن زاد قسماً رابعاً أو خامساً فهو زيادة من عنده؛
لأن الأئمة قسّموا التوحيد إلى أقسام ثلاثة من الكتاب والسنة.

فكل آيات القرآن والأحاديث في العقيدة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة.

الأول: توحيد الربوبية: وهو توحيد الله تعالى وإفراده بأفعاله: كالخلق، والرزق، والإحياء والإماتة،
وتدبير الكون، فليس هناك رب سواه سبحانه وتعالى، رب العالمين .

القسم الثاني: توحيد الألوهية أو توحيد العبادة؛ لأن الألوهية معناها عبادة الله عز وجل بمحبته وخوفه
ورجائه، وطاعة أمره، وترك ما نهى عنه فهو إفراد الله تعالى بأفعال العباد التي شرعها لهم.

القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات:
وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات،
وتنـزيهه عما نزّه عنه نفسه، ونزّهه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من العيوب والنقائص.

فكل الآيات التي تتحدث عن أفعال الله فإنها في توحيد الربوبية، وكل الآيات التي تتحدث عن العبادة
والأمر بها والدعوة إليها فإنها في توحيد الألوهية.

وكل الآيات التي تتحدث عن الأسماء والصفات لله عز وجل فإنها في توحيد الأسماء والصفات.

وهذه الأقسام الثلاثة المطلوب منها هو توحيد الألوهية؛ لأنه هو الذي دعت إليه الرسل،
ونزلت به الكتب، وقام من أجله الجهاد في سبيل الله، حتى يُعبد الله وحده، وتُترك عبادة ما سواه.

وأما توحيد الربوبية ومنه توحيد الأسماء والصفات فلم ينكره أحد من الخلق،
وذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في آيات كثيرة، ذكر أن الكفار مُقرُّون بأن الله هو الخالق الرازق،
المحيي المميت، والمدبر، فهم لا يخالفون فيه.
وهذا النوع إذا اقتصر عليه الإنسان لا يدخله ذلك في الإسلام؛ لأن النبي، صلى الله عليه وسلم،
قاتل الناس وهم يقرون بتوحيد الربوبية، واستحل دمائهم وأموالهم.

ولو كان توحيد الربوبية كافياً لما قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام،
بل ما كان هناك حاجة إلى بعثة الرسل، فدل على أن المقصود والمطلوب هو توحيد الألوهية،
أما توحيد الربوبية فإنه دليل عليه، وآية له،
ولذلك إذا أمر الله بعبادته ذكر خلقه للسموات والأرض،
وقيامه سبحانه بشؤون خلقه، برهاناً على توحيد الألوهية، وإلزاماً للكفار والمشركين،
الذين يعترفون بالربوبية وينكرون الألوهية، ولما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :
"قولوا: لا إله إلا الله" قالوا:
(أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) (1 ) [ص:5]
وقال سبحانه وتعالى:
(وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) [الزمر: 45]،
وقال تعالى:
(إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركوا ءالـهتنا لشاعر مجنون) [الصافات: 35:36]

فهم لا يريدون توحيد الألوهية، بل يريدون أن تكون الآلهة متعددة، وكلٌ يعبد ما يريد.
فيجب أن يُعلم هذا، فإن كل أصحاب الفرق الضالة الحديثة والقديمة،
يركزون على توحيد الربوبية، فإنه إذا أقر العبد عندهم بأن الله هو الخالق الرازق،
قالوا: هذا مسلم، وكتبوا بذلك عقائدهم،
فكل عقائد المتكلمين لا تخرج عن تحقيق توحيد الربوبية والأدلة عليه .
وهذا لا يكفي، بل لابد من الألوهية، قال تعالى :
(ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل: 36]
يأمرون الناس بعبادة الله وهي توحيد الألوهية.
(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [الأنبياء:25]،.
(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) [النساء: 36].
كل الآيات تأمر بتوحيد الألوهية وتدعو إليه، وجميع الرسل دعوا إلى توحيد الألوهية وأمروا به أممهم،
ونهوهم عن الشرك، هذا هو المطلوب والغاية والقصد من التوحيد، وأما توحيد الأسماء والصفات
فأنكره المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، على تفاوت بينهم في ذلك.
وقوله نقول: -أي يقول معشر أهل السنة والجماعة- في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله :
إن الله واحد لا شريك له.
العقيدة والتوحيد بمعنى واحد. سواء سُميت عقيدة أو توحيداً أو إيماناً، فالمعنى واحد وإن اختلفت الأسماء.
وقوله: "بتوفيق الله" هذا تسليم لله عز وجل، وتضرّع إلى الله، وتبرؤ من الحول والقوة،
فالإنسان لا يزكي نفسه، وإنما يقول: بتوفيق الله، بمشيئة الله، بحول الله، هذا أدب العلماء رحمهم الله.
"إن الله واحد لا شريك له" هذا هو التوحيد؛
واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، وواحد في أسماءه وصفاته.
(3) ولا شيء مثله:
مأخوذ من قوله تعالى : (ليس كمثله شيءٌ) [الشورى:11]،
وقوله تعالى: (ولم يكن له كفواً أحد) [الإخلاص : 4]،
وقوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أنداداً) [البقرة: 22]،
أي شبهاء ونظراء .
وقوله تعالى: (هل تعلم له سمياً) [مريم: 65]،
أي : مماثل يساميه سبحانه وتعالى، فالتمثيل والتشبيه منفيان عن الله عز وجل.
لا يشبهه أحد من خلقه، وهذا هو الواجب أن نثبت ما أثبته الله لنفسه ونعتقده ولا نشبهه بأحد من خلقه،
ولا نمثّله بخلقه سبحانه وتعالى، وهذا فيه رد على المشبهة الذين يعتقدون أن الله مثل خلقه،
ولا يُفرقون بين الخالق والمخلوق، وهو مذهب باطل.
وفي مقابله مذهب المعطلة؛ الذين غلوا في التنـزيه حتى نفوا عن الله ما أثبته من الأسماء والصفات،
فراراً من التشبيه بزعمهم.
فكلا الطائفتين غلت، المعطلة غلوا في التنـزيه ونفي المماثلة، والمشبهة غلوا في الإثبات،
وأهل السنة والجماعة توسّطوا؛ فأثبتوا ما أثبته الله لنفسه على ما يليق بجلاله،
من غير تشبيه ولا تعطيل على حد قوله تعالى
(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشوى:11]
فقوله: (ليس كمثله شيء) نفي للتشبيه،
وقوله: (وهو السميع البصير) نفي للتعطيل، وهذا المذهب الذي يسير عليه أهل السنة والجماعة.
ولهذا يُقال: المعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً.
(4) ولا شيء يعجزه:
هذا إثبات لكمال قدرته:
قال تعالى : (وهو على كل شيء قدير) [المائدة : 120].
وقال تعالى: (وكان الله على كل شيء مقتدراً) [الكهف : 45].
وقال تعالى : (إنه كان عليماً قديراً) [فاطر: 44].
والقدير معناه: المبالغ في القدرة، فقدرته سبحانه وتعالى لا يعجزها شيء،
إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون.
-فهذا فيه إثبات قدرة الله عز وجل، وإثبات شمولها، وعمومها لكل شيء.
-أما العبارة التي يقولها بعض المؤلفين : إنه على ما يشاء قدير. فهذه غلط؛ لأن الله لم يقيد قدرته بالمشيئة، بل قال: على كل شيء قدير، فقل ما قاله الله سبحانه وتعالى.
إنما هذه وردت في قوله تعالى: (وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) [الشورى: 29]؛
لأن الجمع له وقت محدد في المستقبل، وهو قادر على جمعهم في ذلك الوقت، أي أهل السماوات وأهل الأرض، قال تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دآبة وهو على جمعهم
إذا يشاء قدير) [الشورى:29].
(5) ولا إله غيره :
هذا هو توحيد الألوهية. لا إله، أي : لا معبود بحق غيره .
أما إذا قلت : لا معبود إلا هو؛ أو لا معبود سواه،
فهذا باطل؛ لأن المعبودات كثيرة من دون الله عز وجل،
فإذا قلت: لا معبود إلا الله، فقد جعلت كل المعبودات هي الله، وهذا مذهب أهل وحدة الوجود،
فإذا كان قائل ذلك يعتقد هذا فهو من أصحاب أهل وحدة الوجود، وأما إن كان لا يعتقد هذا،
إنما يقوله تقليداً أو سمعه من أحد، فهذا غلط، ويجب عليه تصحيح ذلك.
وبعض الناس يستفتح بهذا في الصلاة فيقول: ولا معبود غيرك، والله معبود بحق،
وما سواه فإنه معبود بالباطل،
قال تعالى:
(ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير) [الحج: 62].
(6) قديم بلا ابتداء ، دائم بلا انتهاء :
كما دل عليه قوله تعالى: (هو الأول والآخر) [الحديد:3]،
وقوله عليه الصلاة والسلام: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"(2).
لكن كلمة "قديم" لا تُطلق على الله عز وجل إلا من باب الخبر، أما من جهة التسمية فليس من أسمائه:
القديم، وإنما من أسمائه: الأول. والأول ليس مثل القديم؛ لأن القديم قد يكون قبله شيء، أما الأول فليس قبله شيء، قال عليه الصلاة والسلام: "أنت الأول فليس قبلك شيء".
لكن المؤلف رحمه الله احتاط فقال: "قديم بلا ابتداء"،
أما لو قال: "قديم" وسكت، فهذا ليس بصحيح في المعنى.
(7) لا يفنى ولا يبيد:
الفناء والبيد بمعنى واحد، فالله سبحانه وتعالى موصوف بالحياة الباقية الدائمة،

قال تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) [الفرقان: 58].
فالله لا يأتي عليه الفناء، قال سبحانه وتعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص:88]،
وقال سبحانه وتعالى: (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) [الرحمن:26،27].
فله البقاء سبحانه وتعالى، والخلق يموتون ثم يبعثون، وكانوا في الأول عدماً ثم خلقهم الله، ثم يموتون
ثم يبعثهم الله عز وجل.
فالله سبحانه وتعالى ليس له بداية وليس له نهاية.
(8) ولا يكون إلا ما يريد:
هذا فيه إثبات القدر وإثبات الإرادة، فلا يكون في ملكه ولا يحصل في خلقه من الحوادث والكائنات إلا
ما أراده سبحانه وتعالى بالإرادة الكونية:
(إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) [يس:82]،
فكل خير وكل شر فهو بإرادة الله الكونية، فلا يخرج عن إرادته شيء،
وهذا فيه رد على القدرية الذين ينفون القدر، ويزعمون أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه
ويوجد فعل نفسه، تعالى الله عما يقولون، وهذا تعجيز لله، وأنه يكون في خلقه ما لا يريده سبحانه وتعالى، فهذا وصف له بالنقص، فجميع ما يكون في الكون من خير وشر فإنه بإرادته،
فيخلق الخير لحكمة، ويخلق الشر لحكمة، فهو من جهة خلقه له ليس بشر؛ لأنه لحكمة عظيمة،
ولغاية عظيمة، وهي الابتلاء والامتحان، وتمييز الخبيث من الطيب، والجزاء على الأعمال الصالحة،
والجزاء على الأعمال السيئة، له الحكمة في ذلك سبحانه وتعالى، لم يخلق ذلك عبثاً.
(9) لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام:
فالله سبحانه وتعالى لا يُحاط به،
فالله أعظم من كل شيء سبحانه وتعالى
(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) [طه:110]،
فالله سبحانه يُعلم ولكن لا يُحاط به، فالله أعظم من كل شيء ،
فلا يتخيله الفكر، ولا يجوز لإنسان أن يقول في الله إلا ما قاله سبحانه عن نفسه،
أو قاله عنه رسوله عليه الصلاة والسلام .
(10) ولا يشبه الأنام:
هذه مثل العبارة التي مضت، ولا شيء مثله، والأنام معناه: الخلق، فالله سبحانه وتعالى منـزه عن مشابهة الخلق: (ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير) [الشورى:11]،
(ولم يكن له كفواً أحداً) [الإخلاص:4]
فهو سبحانه منـزه عن مشابهة خلقه، وإن كان له أسماء وصفات تشترك مع أسماء وصفات الخلق في اللفظ والمعنى، لكن في الحقيقة والكيفية لا تشابه بينهما.
(11) حي لا يموت :
حياته كاملة لا يعتريها نقص ولا نوم (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) [البقرة:255]،
(وتوكل على الحي الذي لا يموت) [الفرقان:58]
فنفي عن نفسه السِّنة، وهي النوم الخفيف والنوم المستغرق( 3)،
ونفى عن نفسه الموت لكمال حياته سبحانه(4 ).
والنوم والنعاس والموت نقص في الحياة، وهذه من صفة المخلوق،
وحياة المخلوق ناقصة فهو ينام ويموت.
فالنوم كمال في حق المخلوق، نقص في حق الخالق؛ لأن المخلوق الذي لا ينام معتل الصحة،
فهذا يدل على الفرق بين صفات الخالق وصفات المخلوق،
والحي والقيوم: هاتان الصفتان مأخوذتان من قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)
الحي الذي له الحياة الكاملة، والقيوم صيغة مبالغة. (12) قيوم لا ينام :
القيوم هو: القائم بنفسه والمقيم لغيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى شيء، وغني عن كل شيء،
المقيم لغيره، كل شيء فقير إليه يحتاج إلى إقامته له سبحانه وتعالى،
فلولا إقامة الله للسموات والأرض والمخلوقات لتدمرت وفنيت،
ولكن الله يقيمها ويحفظها ويمدها بما يصلحها.
فجميع الخلق في حاجة إليه
(إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) [فاطر: 41].
(13) خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة:
هو الذي خلق الخلق وهو ليس بحاجة إليهم، إنما خلقهم لعبادته
(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات:56]،
فخلقهم لا لحاجة إليهم بأن ينصروه أو ليعينوه أو ليساعدوه -سبحانه- أو يحموه،
إنما خلقهم لعبادته، وهم المحتاجون للعبادة؛ لتصلهم بالله وتربطهم بربهم،
فالعبادة صلة بين العبد وربه،فتقربه من الله، ويحصل بها من الله على الثواب والجزاء،
فالعبادة حاجة للخلق وليست بحاجة لله عز وجل
(إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد)[إبراهيم:8]
(إن تكفروا فإن الله غني عنكم) [الزمر:7].
وقوله : (رازق بلا مؤنة) أي هو القائم بأرزاق عباده ولا ينقص ذلك مما عنده.
(14) مميت بلا مخافة:
أي : يميت الأحياء إذا كملت آجالهم ، لا لأنه خائف منهم ولكن ذلك لحكمته سبحانه وتعالى؛
لأن الحياة في الدنيا لها نهاية، وأما الآخرة فليس للحياة فيها نهاية، فإماتتهم ليس خوفاً منهم
أو ليستريح منهم، ولو كانوا يكفرون به فإنه لا يتضرر بكفرهم، وإنما يضرون أنفسهم،
لكنه هو يفرح بتوبتهم ؛ لأنه يحب -ويريد- لهم الخير، فهو يفرح بتوبتهم وهو ليس في حاجة إليهم،
إنما ذلك لطفه وإحسانه.
(15) باعث بلا مشقة:
هذا من عجائب قدرته، أنه يميت الخلق ويفنيهم حتى يتلاشوا ويصيروا تراباً ورفاتاً.
حتى يقول الجاهل: لا يمكن أن يعودوا ولكن الله عز وجل يبعثهم من جديد ويعيد خلقهم من جديد،
وليس عليه في ذلك مشقة، كما قال سبحانه وتعالى:
(ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) [لقمان:28].
(وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) [الروم:27].
فالمشركون أنكروا البعث استبعاداً منهم كما ذكر الله ذلك عنهم:
(قال من يحي العظام وهي رميم) [يس:78]،
قال سبحانه وتعالى: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) [يس:79].
أول مرة، ليس لها وجود أصلاً، فأوجدها من العدم سبحانه وتعالى، فالذي خلقها من العدم:
أليس بقادر على إعادتها من باب أولى؟ هذا في نظر العقول، وإلا فإن الله سبحانه لا يُقاس بخلقه،
إنما ذلك لضرب المثل: (وله المثل الأعلى) [الروم:27].
فهذا ردٌ على هذا الجاحد، قال تعالى: (ونسي خلقه) [يس:78]،
نسي أنه في الأول كان لا شيء ولا وجود له
(هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) [الإنسان:1]،
نسي أن الله أوجده من عدم.
فهو يجمع هذه العظام المتفرقة، واللحوم الممزقة، والتراب الذي تحلل،
وهذه الشعور المتبعثرة يعيدها كما كانت،
(ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا انتم تخرجون) [الروم:25]
(ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) [الزمر:68]
وهي نفخة البعث.
فالأولى نفخة الصعق والموت، والثانية نفخة البعث.
(ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث) [يس:51] أي : القبور:
(إلى ربهم ينسلون * قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) [يس 51 :52]
فالله قادر على كل شيء، وهذا رد على الكفار الذين يُعجزون الله عن إحياء الموتى وإعادتهم كما كانوا.
قال تعالى: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه) [القيامة:3،4].
(يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون) [المعارج:43].
هذه قدرة الله وإرادته ومشيئته، لا يعجزه شيء، لكن بعض المخلوقين يقيس الله بخلقه فيستبعد البعث؛
لأنه في نظره مستحيل، ولا ينظر إلى قدرة الله، ولم يقدر الله حق قدره، وهذا من الجهل بالله عز وجل.
(16) ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه:
تقدم قول المصنف: "قديم بلا ابتداء"، فهو سبحانه وتعالى ليس قبله شيء، ومعنى ذلك:
أنه متصف بصفات الكمال، فصفاته تكون أزلاً وأبداً، فكما أنه أول بلا بداية، فكذلك صفاته،
فإنها تكون تابعة له سبحانه، فهي أولية بأولية الله سبحانه وتعالى، فلم يكن أولاً بلا صفات ثم حدثت له الصفات بعد ذلك كما يقوله أهل الضلال، الذين يقولون: لم تكن له صفات في الأزل ثم كانت له صفات؛ لئلا يلزم على ذلك تعدد الآلهة -كما يزعمون- أو تعدد القدماء، وتكون الأسماء والصفات
شريكة لله في أوليته. فنقول: يا سبحان الله! هذا يلزم عليه أن يكون الله ناقصاً -تعالى الله- في فترة،
ثم حدثت له الصفات وكمل بها، تعالى عما يقولون، ولا يلزم من قدم الصفات قدم الأرباب؛
لأن الصفات ليست شيئاً غير الموصوف في الخارج، إنما هي معان قائمة بالموصوف،
ليست شيئاً مستقلاً عن الموصوف، فإذا قلت مثلاً: "فلان سميع بصير، عالم فقيه،
لغوي نحوي" فهل معنى هذا أن الإنسان صار عدداً من الأشخاص،
فلا يلزم من تعدد الصفات تعدد الموصوف، كما يقوله أصحاب الضلال.
فالله سبحانه وتعالى ليس لصفاته بداية كما أنه ليس لذاته بداية، فيوصف بأنه الخالق دائماً وأبداً.
وأما أفعاله سبحانه، فهي قديمة النوع حادثة الآحاد.
فالله سبحانه وتعالى متكلم قبل أن يصدر منه الكلام، وخالق قبل أن يصدر منه الخلق.
وأما أنه يتكلم ويخلق، فهذه أفعال متجددة وهكذا.
(17) لم يزدد بكونهم شيئاً، لم يكن قبلهم من صفته:
أي : خلق الخلق. ولا نقول: لم يصر خالقاً إلا بعد أن خلقهم، بل هو يسمى خالقاً من الأزل،
لا بداية لذلك، أما خلقه إنما هو متجدد.
(18) وكما كان بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً:
كما أنه موصوف بصفاته أزلياً، يعني : لا بداية لذلك، كذلك صفاته تلازمه -سبحانه- في المستقبل،
فهو بصفاته أبدي لا نهاية له (أنت الآخر فلا بعدك شيء) باسمك وصفاتك،
ولا يقال: إن هذه الصفات تنقطع عنه في المستقبل، بل هي ملازمة له سبحانه وتعالى.
(19) ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم (الخالق)
هذا توضيح وتكرار لما سبق.
(20) ولا بإحداث البرية استفاد اسم (الباري):
من أسماء الله عز وجل : الباري، يعني : الخالق، برى الخلق، يعني: خلقهم، فهو الباري،
وهذا الاسم ملازم لذاته ليس له بداية.
(21) له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق:
كذلك هو رب قبل أن توجد المربوبات، والرب معناه: المالك والمتصرف والمصلح والسيد،
وهذه الصفات لازمة لذاته، يوصف بالربوبية بلا بداية ولا نهاية، قبل وجود المربوبات وبعد فناء المربوبات.
(22) وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم،
كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم :
كما أنه -سبحانه- يوصف بكونه محيي الموتى في الأزل، وبأنه يحيي ويميت،
ولا يكون هذا الوصف معدوماً حتى يكون أحيا الموتى، وإنما هذا له من القديم والأزل،
وأما إحياء الموتى فهذا متجدد، أحيا ويحيي سبحانه إذا شاء.
(23) ذلك بأنه على كل شيء قدير:
هذا وصف أزلي، لا يقال بأنه ما استفاد القدرة إلا بعد أن خلق وأوجد المخلوقات، بل القدرة صفة أزلية،
وإنما كونه أوجد المخلوقات فهذا أثر ناتج من كونه على كل شيء قدير.
والله هو الذي وصف نفسه بأنه على كل شيء قدير من الموجودات ومن المعدومات،
لم يقيد قدرته بشيء معين، لا يعجزه شيء، ولا يجوز التقييد بأنه قدير على كذا،
ولا يقال: إنه على ما يشاء قدير، إنما هذا خاص بجمع الله سبحانه وتعالى لأهل السموات والأرض :
(ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) [الشورى:29] وهذه قضية معينة.
(24) وكل شيء إليه فقير :
لا شيء يمكن أن يستغني عن الله لا من الملائكة ولا السماوات والأرض ولا الجن ولا الإنس،
ولا الجامدات من الجبال ولا البحار، كل شيء فقير إلى الله:
(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) [فاطر:15].
فكل شيء إليه فقير، لا الأولياء ولا السماوات، ومن يقول:
إن الأولياء لهم قدرة غير البشر وإنهم يتصرفون في الكون، وإنهم ينفعون ويضرون من دون الله،
فذلك من قول الكفرة والمشركين، فليس للأولياء والرسل والملائكة غنى عن الله ولا تصرف من دونه .
وهذا مما يبطل عبادة غير الله من الأصنام ونحوها، كيف تعبد أشياء فقيرة وتنسى الذي بيده ملكوت كل شيء؟
ولهذا لما قال بعض علماء القبورية لعامي من أهل التوحيد: أنتم تقولون :
إن الأولياء لا ينفعون ولا يضرون، قال: نقول: إنهم لا ينفعون ولا يضرون،
قال: أليس الله تعالى يقول: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران:169].
قال : وهل الله قال: يُرزقون، أو يَرزقون؟ قال: بل قال: (يُرزقون)
بضم الياء، قال: إذن أنا أسأل الذي يرزقهم ولا أسألهم.
فانخصم ذلك العالم بحجة العامي الذي هو على الفطرة.
(25) وكل أمر عليه يسير:
(إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) [يس:82].
فهو يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ويعطي ويمنع، ويحيي الموتى بعد فنائهم،
وذلك يسير عليه سبحانه وتعالى، لا يكلفه شيئاً ولا يشق عليه، خلاف المخلوق،
فإنه يتكلف بفعل الأشياء، أو يعجز عنها، أما الله فليس شيء عليه صعباً،
(ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) [لقمان :28].

(26) لا يحتاج إلى شيء:
الله سبحانه غني عن كل شيء، فالله ليس بحاجة إلى الخلق؛ لأنه هو الغني، فهو الذي يعطي الخلق سبحانه .
(27) (ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير) :
هذا نفي للتشبيه عن الله سبحانه،
والكاف لتأكيد النفي، مثل: (وكفى بالله عليماً) [النساء:70]
الأصل : وكفى الله عليماً، ولكن جاءت الباء للتأكيد.
وليس يشبهه شيء من الأشياء، لا الملائكة ولا الأنبياء والرسل ولا الأولياء ولا أي مخلوق
(وهو السميع البصير) [الشورى: 11]
فسمى نفسه السميع البصير.
فالآية في أولها رد على المشبهة، وفي آخرها رد على المعطلة،
ودلت على أنه لا يلزم من إثبات الأسماء والصفات التشبيه بالمخلوقات،
فسمع وبصر المخلوقات لا يشبه سمع ولا بصر الله عز وجل.
(28) خلق الخلق بعلمه:
قال سبحانه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) [تبارك: 14].
فخلقه دليل على علمه سبحانه وتعالى وقدرته كما قال تعالى
(وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً)
(29) وقدر لهم أقداراً:
قدر الله جل وعلا المقادير، ولم يوجد هذه الأشياء بدون تقدي
ر (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننـزله إلا بقدر معلوم) [الحجر:21]
فكل شيء قدره الله بمقادير وكيفيات لا تختلف ولا تتغير، فالإنسان قدر الله جسمه وحواسه وأعضاءه
وتركيبه وأوزانه، حتى صار إنساناً معتدلاً يمشي ويقف ولو اختل شيء من أعضاء هذا الإنسان
أو من تراكيبه اختل الجسم، وكذلك سائر الكائنات (وكل شيء عنده بمقدار) [الرعد:8]
فلكل شيء مقادير ينضبط بها، ولكل شيء مقادير تختلف عن مقادير الآخر.
(30) وضرب لهم آجالاً:
المخلوقات لها آجال ولها نهاية ، قال سبحانه (كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) . [الرحمن :26 : 27] ، وقال سبحانه : (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص 88 ] .
كل شيء له عمر محدود، حدده الله -سبحانه- إما قصير وإما طويل، قال سبحانه،
(وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير) [فاطر:11]،
فالأعمار بيده سبحانه وتعالى، وهذا يدل على كمال ربوبيته وكمال قدرته،
فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
(31) ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم:
بل هو عالم بالأشياء قبل أن توجد، لا أنه لا يعلمها إلا بعد أن وُجدت.
(32) وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم :
علم ما يعمل العباد قبل خلقهم، أن هذا من أهل الطاعة وهذا من أهل المعصية .
(33) وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته:
كما في قوله تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون) [الذاريات:56]،
خلقهم أولاً، ثم أمرهم بعبادته سبحانه وتعالى، فهو سبحانه أمرهم بطاعته،
مع أنه يعلم ما هم عاملون من قبل، ولكن الجزاء لا يترتب على العلم، وإنما الجزاء يترتب على العمل،
فالله لا يعذب العبد بحسب العلم، إلا إذا وقع منه الذنب، ولا يكرم المحسن حتى يقع منه الفعل،
فالجزاء مرتب على العمل، لا على العلم ولا على القدر، ففرق بين العلم وبين الجزاء،
ولذلك أمرهم الله ونهاهم، فمن أطاع الأوامر وترك النواهي حصل على الثواب،
ومن خالف الأوامر وارتكب النواهي حصل على العقاب بأفعاله هو لا بأفعال الله سبحانه،
فالعبد هو المصلي والمزكي والحاج والمجاهد، فالأعمال تنسب إليه لا إلى الله،
إلا من جهة الخلق والعلم والتقدير والتوفيق.
(34) وكل شيء يجري بتقديره:
لا شك أن كل شيء بتقديره لا يخرج عن تقدير الله من الخير والشر، والطاعة والمعصية،
والكفر والإيمان، والمرض والصحة، والغنى والفقر، والعلم والجهل، كل شيء يجري بتقديره،
وليس في ملكه شيء لم يقدره ولا يريده.
(35) ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان ، وما لم يشأ لم يكن:
الله سبحانه وتعالى له مشيئة، والعباد لهم مشيئة، ولكن مشيئة العباد مرتبة على مشيئة الله،
وليست مستقلة، ولهذا قال سبحانه:
(وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً) [الإنسان:30]
وقال سبحانه : (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) [التكوير:29]
فجعل لنفسه مشيئة هي من صفاته، وجعل لعباده مشيئة هي من صفاتهم،
وربط مشيئتهم بمشيئته سبحانه، وفي هذا رد على القدرية والجبرية:
فالقدرية ينفون مشيئة الله لأفعال العباد، ويجعلون للعبد مشيئة مطلقة،
وأن العبد مستقل بأفعاله وإرادته ومشيئته، هذا مذهب القدرية من المعتزلة وغيرهم.
والجبرية يقولون: العبد ليس له مشيئة، وإنما المشيئة لله فقط، والعبد يتحرك بدون اختياره ولا إرادته،
مثل ما تحرك الآلة. فطائفة غلت في إثبات مشيئة الله وطائفة غلت في إثبات مشيئة العبد.
وأما أهل السنة والجماعة: فأثبتوا المشيئتين، وجعلوا مشيئة العبد مربوطة بمشيئة الله،
أخذاً من الآيتين السابقتين فقوله: (وما تشاءون) فيه إثبات مشيئة العباد، وقوله:
(إلا أن يشاء الله) فيه إثبات مشيئة الله عز وجل، وفي الآية أن مشيئة العبد ليست مستقلة،
وإنما هي مربوطة بمشيئة الله؛ لأنه خلق من خلق الله، خلقه وخلق مشيئته وخلق إرادته،
ولهذا لما قال بعض الناس للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت،
قال عليه الصلاة والسلام: "أجعلتني لله نداً؟" أي : شريكاً في المشيئة "قل :
ماشاء الله وحده"( 5) .
ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قوماً يقولون: ما شاء الله وشاء محمد،
أنكر ذلك وقال: "قولوا؛ ما شاء الله ثم شاء محمد" ،
فجعل مشيئته مرتبة على مشيئة الله "بثم" التي تفيد الترتيب والتراخي،
لا بالواو؛ لأنها تقتضي التشريك.
(36) يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً:
الله سبحانه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهذا بقضاء الله وقدره،
ولكنه يهدي من يعلم أنه يصلح للهداية، ويهدي من يحرص على طلب الهداية ويُقبل عليها،
فإن الله ييسره لليسرى، ويضل من يشاء بسبب إعراضه عن طلب الهداية والخير،
فيضله الله عقوبة له على إعراضه وعدم رغبته في الخير، يوضح ذلك قوله تعالى:
(فأما من أعطى وأتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى) [الليل:5-7]
فصار السبب من العبد، والقدر من جهة الله سبحانه:
(وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى) [الليل:8-10]
فصار السبب من العبد والقدر من الله عز وجل، ولكن قدره الله عقوبة له.
فقدر الله الهداية فضلاً من الله عز وجل، وتكرم على الشخص الذي يريد الخير ويريد الهداية،
فييسره الله للخير ولفعله، وهذا لمصلحته، لا مصلحة لله عز وجل،
وأما إضلال الضالين فعدل منه سبحانه وتعالى، جزاءً لهم على إعراضهم وعدم إقبالهم على الخير
وعلى طاعة الله عز وجل، لم يظلمهم شيئاً، ولهذا نجد في الآيات
(والله لا يهدي القوم الظالمين) [البقرة:258]
(والله لا يهدي القوم الكافرين) [البقرة:264]، (والله لا يهدي القوم الفاسقين) [المائدة:108]
فجعل الظلم، والكفر، والفسق، أسباب لعدم الهداية، وهذه من أفعال العباد جازاهم عليها،
عدلاً منه سبحانه وتعالى لا ظلماً (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [النحل:33]،
فلا يليق به سبحانه أن يكرم من هذا وصفه وأيضاً لا يليق به سبحانه وتعالى أن يُضيع عمل العاملين،
قال سبحانه : (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء
محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) [الجاثية:21]
(وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) [الجاثية:22]،
(أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون) [القلم:35،36]
هذا جور ينـزه الله عنه، ويقول سبحانه وتعالى:
(أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) [ص:28].
فالله سبحانه وتعالى لا يُضيع أجر من عمل صالحاً، ولا يجازي أحداً بغير فعله،
وبغير كسبه (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون) [الصافات:39]
فالعمل كله للعبد من الخير والشر، والمجازاة من الله فضلاً وعدلاً.
(37) وكلهم يتقلبون في مشيئة بين فضله وعدله:
وكل العباد لا يخرجون عن التقلب في مشيئة الله بين فضلة على أهل الطاعة وأهل الخير،
وعدله مع أهل الكفر والشرك، وهذا هو اللائق بحكمته وعظمته سبحانه،
فلا يجمع بين المتضادات والمختلفات، بل ينـزل الأشياء في منازلها، ولهذا من أسمائه: الحكيم، ومن صفاته: الحكمة، الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها، فيضع الفضل في أهل الطاعة، ويضع العذاب في أهل الكفر والمعاصي، هذا فضله سبحانه وعدله.
(38) وهو متعال عن الأضداد والأنداد:
(متعال) أي : مرتفع بذاته وقدره وقهره عن الأضداد والأنداد، فالأنداد:
هم الأمثال والشبهاء والنظراء، فالله سبحانه وتعالى ليس له نظير، وليس له مثيل ولا شبيه،
فلا أحد يشارك الله ولا يشابهه ولا يساويه جل وعلا، وهذا من علو قدره وقهره وهو العلي بذاته فوق مخلوقاته.
أما الأضداد: فهم المعارضون له، فالله ليس له معارض، ولا يضاده أحد من خلقه،
فإنه إذا أراد أمراً فلا يمكن لأحد أن يعترض ويمنع أمره سبحانه وتعالى،
وإذا أراد إعطاء فلا أحد يمنع، وإذا أراد منعاً لشيء فلا أحد يعطيه
(لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) (6 ).
قال تعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم) [فاطر:2].
فلا ند لله ولا ضد له فيما يأمر به وينهى عنه، خلاف المخلوقين فيوجد من ينازعهم ويقف ضد تنفيذ
أوامرهم، فالمخلوقات كلها لها مشارك، فالخلق يتشابهون في العلم والاسم وفي كل شيء،
في الأجساد والصفات، ويشتركون في الأفعال والأملاك والله سبحانه لا يشبهه أحد ولا يشاركه أحد.

(39) لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره:
فالله (إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) [مريم:35] (لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب) [الرعد:41] فالله عز وجل إذا قضى أمراً فلا يستطيع أحد أن ينقضه أو يرده،
بخلاف المخلوق فقد يعطل تنفيذ حكمه وقد يُنقض.
(ولا غالب لأمره): وإذا أمر بالشيء لا أحد يغلب أوامره الكونية،
أما أوامره الشرعية فقد تُعطل وقد تُخالف، وهذه للابتلاء والامتحان. ليترتب على ذلك الثواب أو العقاب.
(40) آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده:
كل ما سبق ذكره من أول العقيدة إلى آخرها، ندين لله به، وليس مجرد كلام بألسنتنا، بل هو من قلوبنا.

------------

( 1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش،
وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وعند أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه،
وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: "إني أريد منهم كلمة واحدة،
تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية"
قال: كلمة واحدة؟ قال: "كلمة واحدة" قال: "يا عم يقولوا: لا إله إلا الله" فقالوا: إلهاً واحداً،
ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق.
قال: فنـزل فيهم القرآن : (ص والقرآن ذي الذكر) إلى قوله: (إن هذا إلا اختلاق).

أخرجه في المسند 1/228 والترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة ص (رقم 3232)
وقال: حديث حسن صحيح. وكذا صححه الشيخ أحمد شاكر رقم (2008).

(2 ) أخرجه مسلم رقم (2713).

( 3) فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات،
فقال: "إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام….." إلخ الحديث .
أخرجه مسلم رقم (179).
(4 ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:
"اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت،
اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون"
أخرجه مسلم رقم (2717)
( 5) أخرجه أحمد 1/214، 224،283، 347، والبخاري في الأدب المفرد رقم (783)
وابن ماجه رقم (2117) والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (988) .

( 6) عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى عليّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية:
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير،
اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" .
أخرجه البخاري رقم (844) ومسلم رقم (593)

يتبع ان شاء الله












التوقيع




اخر تعديل نــــوران بتاريخ 06/03/2010 في 09:31 PM.
  رد مع اقتباس
قديم 06/03/2010, 09:41 PM   رقم المشاركه : 3
نــــوران
سردابي متميز جداً
 
الصورة الرمزية نــــوران





  الحالة :نــــوران غير متواجد حالياً
افتراضي رد: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية...د صالح بن فوزان

(41) وأن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله :


لما بين الشيخ –رحمه الله- في أول كلامه ما يجب من معرفة الله سبحانه، واعتقاد أنه الرب المستحق للعبادة دون ما سواه، وأنه متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال التي هو متصف بها أزلاً وأبداً، لما بين هذا ووضحه، انتقل إلى ما يجب اعتقاده في الرسول عليه الصلاة والسلام. وقوله: "وإن محمداً عبده المصطفى.." هذا عطف على أول الكلام: "نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له…." إلى آخره، ثم قال: "وإن محمداً…." إلى آخره، فلابد من اعتقاد هذا، كما نشهد لله بالألوهية، كذلك نشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ولذلك فالشهادتان دائماً متلازمتان.

"وأن محمداً" هذا اسمه عليه الصلاة والسلام المشهور به، وقد جاء في القرآن: (ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) [الأحزاب:40]، وفي قوله: (وآمنوا بما نُزل على محمد وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) [محمد :2]، وفي قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه) [الفتح:29]، وجاء أحمد في القرآن في قوله تعالى عن عيسى عليه السلام: (يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يديّ من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) [الصف:6].

وله أسماء جاءت في السنة، ذكرها ابن القيم في كتابه: "جلاء الأفهام".

والتعرف على الرسول صلى الله عليه وسلم من واجبات الدين ومن أصول الإسلام، وقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في "ثلاثة الأصول" : "الأصل الأول: معرفة الله، والثاني: معرفة نبيه، والثالث: معرفة دين الإسلام بالأدلة"، كما يجب عليك معرفة الله، كذلك يجب عليك معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. هذه أصول ثلاثة، وهي التي يسأل عنها الميت إذا وضع في قبره.

وقوله: (عبده) فهو عبدالله عز وجل، وليس له من الألوهية شيء، ولا من الربوبية شيء، وإنما هو عبد الله ورسوله، مؤتمر بأوامره، منتهٍ عن نواهيه، مبلغ عن الله عز وجل، وهذا فيه رد على الغلو فيه عليه الصلاة والسلام؛ لأن هناك من يغلون في الرسول عليه الصلاة والسلام، ويجعلون له شيئاً من الربوبية أو الألوهية، ويدعونه مع الله، وهذا غلو –والعياذ بالله- كما غلت النصارى في المسيح عيسى ابن مريم، وقالوا إنه ابن الله أو الله أو ثالث ثلاثة. ففي قوله: (عبده المصطفى) فيه ردٌ للغلو، فهو عبد، وكل من في الأرض والسموات عبيد لله عز وجل، قال سبحانه (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) [مريم:93]، فالملائكة عبيد (بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) [الأنبيا:26،27]، والأنبياء والرسل عبيد كما قال سبحانه في نوح عليه السلام: (كان عبداً شكوراً) [الإسراء:3]، وقال عز وجل: (فكذبوا عبدنا) [القمر:9]، وقال في داود: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) [ص:17]، وقال في سليمان: (نعم العبد إنه أواب) [ص:30]، وقال في أيوب: (واذكر عبدنا أيوب) [ص:41]، وقال في عيسى : (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) [الزخرف: 59]، فإذا كان الأنبياء والرسل والملائكة عبيد لله، وهم أشرف الخلق، فغيرهم من الأولياء والصالحين من باب أولى.

وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو آخر الأنبياء، وسماه الله عبداً في قوله: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) [البقرة: 23] يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) [الفرقان:1] (سبحان الذي أسرى بعبده) [الإسراء:1]، ومقام العبودية هو أعلى المقامات، ولا شيء أشرف من العبودية لله عز وجل.

قال عليه الصلاة والسلام: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"([1]) .

ومعنى المصطفى : المختار، من الاصطفاء، وهو الاختيار، قال تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار*إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار*وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار)[ص:45،47] المصطفين : جمع مصطفى، وهو المختار، أصله مصتفى، ثم أُبدلت التاء طاء فصارت مصطفى؛ ليسهل النطق بها.

فالمصطفى هو المختار؛ لأن الله سبحانه اختار محمداً عليه الصلاة والسلام للرسالة من بين قومه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فلا يختار إلا من يعلم أنه يستحق الاختيار، وأنه يقوم بالمهمة؛ لأن هذه المهمة صعبة وعظيمة، فلا يختار الله إلا من هو لها أهل، قال سبحانه : (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [الأنعام:124]. و (المجتبى) بمعنى المصطفى.

والنبي : من أوحى إليه الله بشرع ولم يُؤمر بتبليغه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وهذا أشهر ما قيل في الفرق بين النبي والرسول، ومعنى: أمر بتبليغه، أي : أمر بإلزام الناس وأن يقاتلهم على ما جاء به.

وكذلك النبي، يُوحى إليه ويدعو إلى الله عز وجل، ولكن يتبع من قبله من الأنبياء ويمشي على طريق من قبله، ولا ينفرد بشريعة خاصة، مثل أنبياء بني إسرائيل، جاءوا بالتوراة ودعوا إلى التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام.

و (المرتضى) بمعنى المجتبى والمصطفى، فالمرتضى بمعنى: أن الله ارتضاه.

(42) وأنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين:

هذه من صفاته عليه الصلاة والسلام.

خاتم الأنبياء، ومعنى (خاتم) الذي لا يأتي بعده نبي، وختام الشيء هو: الذي يُجعل عليه حتى لا يزاد عليه ولا ينقص منه، فالله ختم الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال جل في علاه: (ما كان محمداً أباً أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) [الأحزاب:40]، فلا حاجة لمجيء نبي بعده؛ لأن القرآن موجود، والسنة النبوية موجودة، والعلماء الربانيون موجودون، يدعون إلى الله ويبصرون الناس؛ فدين محمد باقٍ إلى قيام الساعة لا يبدل ولا ينسخ ولا يغير ؛ لأن الله سبحانه جعله صالحاً لكل زمان ولكل مكان، أما شرائع الأنبياء السابقين فتكون مؤقتة لأممهم في فترة من الفترات، ثم ينسخ الله تلك الشريعة بشريعة أخرى تتناسب مع الأمة الأخرى
(لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) [المائدة:48].
كما قال تعالى: (لكل أجل كتاب) أي لكل كتاب أجل.

فدين الإسلام كامل لا يحتاج بعد محمد صلى الله عليه وسلم إلى رسول، والعلماء ورثة الأنبياء، فمن اعتقد أنه يأتي بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي فهو كافر بالله خارج من الملة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي كذبة يدعون النبوة من بعده، قال عليه الصلاة والسلام: "سيأتي بعدي كذابون ثلاثون، كلهم يدعي أنه نبي، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي"([2]) .

فمن ادعى النبوة أو ادعيت له النبوة ومن اتبعهم، فكلهم كفرة، وقد قاتلهم المسلمون وكفّروهم، وآخر من ادعى النبوة في الوقت الحاضر: القادياني الباكستاني الذي ادّعى النبوة له أتباعه القاديانية، ويُسمون بالأحمدية نسبة إلى اسمه؛ لأن اسمه أحمد القادياني، وقد كفره العلماء وطردوه من البلاد الإسلامية، وكفَّروا أتباعه؛ لأن هذا تكذيب لله ولرسوله، وتكفيرهم بإجماع المسلمين، لم يخالف في هذا أحد.

فلابد للمسلم أن يعتقد أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الأتقياء؛ يعني القدوة الوحيد للأتقياء الذين يتقون الله عز وجل:
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) [الأحزاب:21]

أما غير النبي صلى الله عليه وسلم فيقتدى به إن كان يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، أما من خالف الرسول عليه الصلاة والسلام فلا يجوز الاقتداء به:
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) [آل عمران:31]،
فلا طريق إلى الله إلا باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام والاقتداء به.

"وسيد المرسلين" هو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، كما قال عليه الصلاة والسلام: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"([3]) أخبر الأمة بذلك من باب الشكر لله عز وجل، ولتشكر الأمة ربها عز وجل على هذه النعمة: أن جعل رسولها سيد الرسل.

و"سيد" معناه: المقدم والإمام، فهو أفضل الرسل عليه الصلاة والسلام، وإمامهم ومقدمهم .

و"حبيب رب العالمين" هذه العبارة فيها مؤاخذة؛ لأنه لا يكفي قوله: حبيب، بل هو خليل رب العالمين؛ والخلة أفضل من مطلق المحبة؛ فالمحبة درجات، أعلاها الخلة، وهي خالص المحبة، ولم تحصل هذه المرتبة إلا لاثنين من الخلق إبراهيم عليه الصلاة والسلام (واتخذ الله إبراهيم خليلاً) [النسا:125]،
ونبينا عليه الصلاة والسلام، فقد أخبر بذلك فقال: "إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً"([4]). فلا يقال: حبيب الله؛ لأن هذا يصلح لكل مؤمن، فلا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا ميزة، أما الخلة فلا أحد يلحقه فيها .

(43) وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى:

هذا سبق في معنى أنه خاتم النبيين، فكل دعوى للنبوة بعده فباطله وكفر؛ لأنه لا يأتي بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبي، وعيسى عليه الصلاة والسلام لما ينـزل آخر الزمان فإنه لا يأتي على أنه نبي ورسول أو يأتي بشريعة جديدة، إنما يأتي على أنه مجدد لدين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحكم بالشريعة الإسلامية.

(44) وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء:

كذلك، هذا ما يجب اعتقاده في النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكفي أن نعتقد أنه رسول الله فقط، بل أنه رسول إلى الناس عامة، بل إلى الجن والإنس، قال سبحانه: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) [سبأ:28]،
وقال له: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) [الأعراف: 158] فرسالته إلى الناس عامة، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فهو رسول للناس عامة، ووجبت طاعته على جميع الخلق، عربهم وعجمهم، وأسودهم وأبيضهم، وإنسهم وجنهم، فكل من بلغته دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام وجب أن يطيعه وأن يتبعه، فمن أقر أنه رسول الله للعرب خاصة، كما يقوله طائفة من النصارى، أنه رسول الله للعرب خاصة، وينكرون نبوته لغيرهم، فهذا كفر بالله عز وجل، وتكذيب لله عز وجل ولرسوله، فالله يقول: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) [سبأ:28]،
ويقول سبحانه : (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) [الفرقان:1] فرسالته عالمية .

وقال عليه الصلاة والسلام: "كان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ([5]). وكاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، فدل على أنه مرسل إلى أهل الأرض كلهم، وأمر بالجهاد حتى يدخل الناس في الإسلام، فدل على عموم رسالته عليه الصلاة والسلام، فيجب اعتقاد هذا.

فتجب في حقه هذه الاعتقادات:

أولاً : أنه عبد الله ورسوله.

ثانياً : أنه خاتم النبيين لا نبي بعده .

ثالثاً : أن رسالته عامة للإنس والجن.

ودليل عمومها للإنس: كما سبق من الآيات ومكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم .

وأما عمومها للجن : فلقوله تعالى : (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قُضي ولوا إلى قومهم منذرين*قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم*يا قومنا أجيبوا داعي الله) [الأحقاف:29،31]
يعنون : محمداً عليه الصلاة والسلام.

وفي قوله تعالى : (قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءاناً عجباً*يهدي إلى الرشد فآمنا به) [الجن:1،2]،
فدل على عموم رسالته للجن، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث لأهل الأرض كلهم، إنسهم وجنهم، فمن آمن به دخل الجنة، ومن لم يؤمن به دخل النار، من الإنس والجن. وقوله: (وبالنور والضياء) هما بمعنى واحد وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بهما. قال تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً*وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) [الأحزاب: 45،46].

-----------------------

([1]) أخرجه البخاري رقم (3445).
([2]) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان، فيكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، ولا تقوم الساعة حتى يُبعث دجّالون كذّابون قريباً من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله " .
أخرجه البخاري رقم (3609) ومسلم رقم (157/84) من كتاب الفتن.
([3]) أخرجه الترمذي رقم (3624) وأحمد 3/144-145 وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. ويشهد له الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : "أنا سيد القوم يوم القيامة". وبلفظ : "أنا سيد الناس يوم القيامة"
أخرجه البخاري رقم (3340،4712) ومسلم رقم (194،2278).
([4]) أخرجه مسلم رقم (532).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت ابن أبي قحافة خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله" يعني نفسه صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم رقم (2383) وعند البخاري بلفظ: "ولكن أخوة الإسلام ومودته"
([5]) أخرجه البخاري واللفظ له رقم (335،438) ومسلم بلفظ : "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" رقم (521)












التوقيع




  رد مع اقتباس
قديم 06/03/2010, 09:42 PM   رقم المشاركه : 4
نــــوران
سردابي متميز جداً
 
الصورة الرمزية نــــوران





  الحالة :نــــوران غير متواجد حالياً
افتراضي رد: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية...د صالح بن فوزان

(45) وأن القرآن كلام الله :

بعد أن تؤمن بالله عز وجل، وتؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم، تؤمن أن القرآن كلام الله؛ لأن هذا هو الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عليه القرآن، وهذا القرآن ليس من كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا من كلام جبريل، إنما هو كلام الله عز وجل، تكلم الله به، وتلقاه جبريل من الله، وتلقاه النبي عليه الصلاة والسلام من جبريل عليه السلام، وتلقته الأمة من النبي صلى الله عليه وسلم .

فهو كلام الله، منه بدأ سبحانه، لم يأخذه جبريل من اللوح المحفوظ كما يقوله أهل الضلال، ولم يكن من كلام جبريل ولا محمد، إنما هو من كلام رب العالمين. وأما جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام فهما مبلغان عن الله عز وجل، فالكلام إنما يقال ويضاف لمن قاله مبتدأ، لا من قاله مبلغاً ومؤدياً.

فمن قال: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، أو : إن الله خلقه في شيء وأخذه جبريل من ذلك الشيء، فهو كافر بالله عز وجل كفراً مخرجاً من الملة، كما تقوله الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم، فهو كلام الله، حروفه ومعانيه، تكلم الله به كيف شاء، فنحن نصف الله بأنه يتكلم، والكلام من صفاته الفعلية، والكيفية التي تكلم بها نقول: الله أعلم بها، هذه كسائر صفاته، نؤمن بها ولا نعلم كيفيتها، فالمعنى معروف، وأما الكيفية فهي مجهولة لنا.


(46) منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً:

أي : أن القرآن نزل من الله، تكلم الله به وأنزله، لم ينـزل من غيره ولم يبدأ من غيره، ليس كما يقولون: إنه بدأ من جبريل، أو من اللوح، أو من الهواء، إنما بدايته من الله، وسمعه جبريل وبلغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحياً، والنبي عليه الصلاة والسلام بلغه للناس، ولو كان هذا القرآن من كلام البشر لاستطاع أحد من الناس أن يأتي بسورة من مثله، فلما عجزوا عن ذلك دل على أنه من كلام الله عز وجل، قال تعالى : (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين) [البقرة:23]،
وقال سبحانه وتعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفتريات) [هود: 13]
فعجزهم الله بذلك، مع أنهم عرب فصحاء، والقرآن بلغة العرب، وبالحروف التي يتكلمون بها، وهم يحرصون على معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كان باستطاعتهم أن يعارضوا هذا القرآن، لما ادخروا وسعاً في ذلك، فلما عجزوا عن ذلك دل على أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

(47) وصدّقه المؤمنون على ذلك حقاً:

فالمؤمنون بالله ورسوله يصدقون بأن القرآن كلام الله عز وجل، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله.

وأما قول الله عز وجل: (إنه لقول رسول كريم*ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين) [التكوير: 19،20]
فالمراد بإسناده إلى جبريل هو من باب التبليغ؛ لأنه لا يمكن أن يكون القرآن من كلام الله ومن كلام جبريل، الكلام لا يكون إلا من واحد، فلا يمكن وصفه بأنه كلام أكثر من واحد، ونسبته إلى الله حقيقية، وأما نسبته لجبريل فمن باب التبليغ. وفي الآية الأخرى: (إنه لقول رسول كريم*وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون) [الحاقة:40،41]
يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم، فالإضافة إليه إضافة تبليغ. وقد أضافة سبحانه تارة إلى نفسه وتارة إلى جبريل وتارة إلى محمداً، والكلام الواحد لا يمكن أن يتكلم به أكثر من واحد. فتكون إضافة إلى الله إضافة ابتداء وهو كلامه وإضافته إلى جبريل ومحمد إضافة تبليغ.

(48) وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة:

ليس بالمجاز كما يقوله الجهمية والمعتزلة، هم يقولون: كلام الله، ولكن نسبته إلى الله مجاز؛ لأن الله خالقه، فإضافته إلى الله إضافة مخلوق إلى خالقه.

فنقول: كذبتم؛ لأن الإضافة إلى الله على نوعين: إضافة معانٍ، وإضافة أعيان:

النوع الأول: إضافة المعاني إلى الله مثل الكلام، فإضافة المعاني إلى الله إضافة صفة إلى موصوف، فالكلام والسمع والبصر والقدرة والإرادة إضافة صفة إلى موصوف؛ لأن هذه معانٍ لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بالموصوف بها.

النوع الثاني: إضافة أعيان، مثل: بيت الله، ناقة الله، عبد الله. هذه إضافة مخلوق إلى خالقه، وفائدة الإضافة هنا التشريف والتكريم.

(49) ليس بمخلوق ككلام البرية:

أي كلام الله ليس بمخلوق. رداً على الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق؛ لأن الله عندهم لا يتكلم، على منهجهم في نفي الصفات كلها، فراراً –بزعمهم- من التشبيه؛ لأنهم لم يفرقوا بين صفات الخالق وصفات المخلوق ففروا من التشبيه الموهوم ووقعوا في التعطيل المذموم وهو شر منه، كالمستجير من الرمضاء بالنار.

ولو أنهم أثبتوا ما أثبته الله لنفسه، وعرفوا أن هناك فرقاً بين صفات الخالق وصفات المخلوق، لأصابوا عين الحق واستراحوا وأراحوا الناس، ولكنهم في ضلال.

(50) فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر، فقد كفر:

فمن سمع كلام الله وزعم أنه كلام البشر فقد كفر؛ لأنه جحد كلام الله عز وجل، فإذا لم يكن لله كلام ينـزله على عباده فبم تقوم الحجة عليهم؟ فقصدهم بقولهم هذا هدم الشرائع، فإذا كان ليس في الكون كلام لله لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا القرآن، فمعنى ذلك أنه ما قامت على الناس الحجة من الله، وهذا من أعظم الكفر وأعظم الضلال.

(51) وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: (سأصليه سقر) [المدثر:26].

وقد ذم الله عز وجل من قال هذه المقالة، فجعل القرآن كلام البشر، كما قال الوليد بن المغيرة المخزومي، وهو من أكابر كفار مكة ومن عظمائهم وكانوا يسمونه: زهرة مكة؛ لشرفه فيهم، فلما سمع القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم أعجبه وعلم أنه ليس من كلام البشر، ومدح القرآن فقال: ليس بالشعر وليس بالسحر، أنا أعرف ضروب الشعر، وأعرف أنواع السحر، وأعرف الكهانة، وأعرف وأعرف…. فليس القرآن من هذه الأمور. فعند ذلك توجه إليه قومه الكفار بالتوبيخ والتعنيف؛ لأن معنى هذا أنه اعترف للرسول عليه الصلاة والسلام بالرسالة، فلما رأى ذلك انحرف –والعياذ بالله- بالكلام فقال: (إن هذا إلا قول البشر) [المدثر: 25]
فأنزل الله عز وجل : (إنه فكر وقدر*فقتل كيف قدر*ثم قتل كيف قدر*ثم نظر*ثم عبس وبسر* ثم أدبر واستكبر*فقال إن هذا إلا سحر يؤثر*إن هذا إلا قول البشر) [المدثر:18،25]
قال عز وجل: (سأصليه سقر) [المدثر:26]، وهي النار.

(52) فلما أوعد الله بسقر لمن قال : (إن هذا إلا قول البشر) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر:

فمن قال: إن القرآن ليس كلام الله وإنه كلام البشر، أو الملك، فهو مثل الوليد بن المغيرة، فما الفرق بين هذا وهذا إلا أنه ادعى الإسلام والوليد لم يدع الإسلام؟ فدعوى الإسلام لا تكفي، فإنه إن كفر بالقرآن لم ينفعه ادعاء الإسلام؛ لأن هذا ردة –والعياذ بالله- . فتبين بهذا أنه لابد من الاعتراف بأن القرآن كلام الله حقيقة.

(53) ولا يشبه قول البشر:

لو كان الكلام من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فلا لوم على الوليد ابن المغيرة إن قال إن القرآن من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يتوعده الله بهذا الوعيد الشديد؟ فدل على أنه قال مقاله عظيمة وفظيعة –حيث نسب القرآن لغير الله، وكل من سار على هذا المذهب وهذا المنهج فإنه مثل الوليد بن المغيرة، يكون في النار خالداً فيها.

(54) ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر:

يعني: من شبه الله بمعنىً من معاني البشر فقد كفر لأنه تنقص الله عز وجل.

(55) فمن أبصر هذا اعتبر:

لأن هناك فرقاً واضحاً بين صفات الخالق وصفات المخلوق، وإن اشتركت في الاسم والمعنى، ولكن تختلف في الحقيقة وتختلف في الواقع والخارج، فلا تشابه بين كلام الله وكلام البشر، ولا تشابه بين سمع الله وسمع البشر، ولا تشابه بين بصر الله وبصر البشر، ولا علم الله وعلم البشر، ولا مشيئة وإرادة الله ومشيئة وإرادة البشر. ففرق بين صفات الله وصفات المخلوق، فمن لم يفرق بينهما صار كافراً.

(56) وعن مثل قول الكفار انزجر:

من تدبر الآيات القرآنية التي أنزلها الله في الوليد بن المغيرة، من تدبرها عرف بطلان أقوال هذه الفرق الضالة في كلام الله عز وجل.

(57) وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.

وصفاته من الكلام وغيره ليست كصفات البشر للفرق بين صفات الخالق وصفات المخلوق.

(58) والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية:

الرؤية: أي : رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى، فإن المؤمنين يرون ربهم سبحانه وتعالى في الآخرة، يرونه عياناً بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم بذلك في الأحاديث الصحيحة المتواترة عنه عليه الصلاة والسلام([1])، ولذلك قال المصنف: الرؤية حق، أي : ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة من السلف والخلف، ولم يخالف فيها إلا المبتدعة وأصحاب المذاهب المنحرفة.

فالمؤمنون يرون ربهم سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: (وجوه يومئذٍ ناضرة*إلى ربها ناظرة) [القيامة: 22،23]،
وهي وجوه المؤمنين (ناضره) يعني من النضرة وهي: البهاء والحسن (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) [المطففين:24]
وأما (ناظرة) فمعناها: المعاينة بالأبصار، تقول: نظرت إلى كذا، أي : أبصرته، فالنظر له استعمالات في كتاب الله عز وجل، إذا عُدّي بـ(إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت*وإلى السماء كيف رُفعت…) [الغاشية:17،18]،
أي : ألم ينظروا بأبصارهم إلى هذه المخلوقات العجيبة الدالة على قدرة الله عز وجل. وفي هذه الآية : (إلى ربها ناظرة) [القيامة:22،23] معداة بـ(إلى).

وإذا عُدي النظر بنفسه وبدون واسطة فمعناه التوقف والانتظار: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم) [الحديد:13]،
(انظرونا) أي : انتظرونا من أجل أن نستضيء بنوركم؛ لأن المنافقين ينطفئ نورهم والعياذ بالله، فيبقون في ظلمة، فيطلبون من المؤمنين أن ينتظروهم حتى يقتبسوا من نورهم. وقوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) [البقر:210]
أي : ما ينتظرون إلا مجيء الرب يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده.

وإذا عُدي النظر بفي فمعناه التفكر والاعتبار، كما قال تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) [الأعراف:185]،
أي : يتفكروا في مخلوقات الله العلوية والسفلية، ويستدلون بها على قدرة الله الخالق سبحانه وتعالى واستحقاقه للعبادة.

الحاصل: أن النظر هنا عُدي بـ(إلى) ومعناه: الرؤية والمعاينة.

وقال سبحانه وتعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [يونس:26]
فسر النبي صلى الله عليه وسلم (الحسنى) بأنها الجنة، وفسر (الزيادة) بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا في صحيح مسلم([2]).

وقال تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) [ق:35]
المزيد: هو النظر إلى وجه الله الكريم.

وقال تعالى عن الكفار: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين:15]
فإذا كان الكفار محجوبون عن الله، أي : لا يرونه؛ لأنهم كفروا به في الدنيا فهم حجوبون عن النظر إليه يوم القيامة، وهذا أعظم حرمان وأعظم عذاب، والعياذ بالله، فدلت الآية على أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن الله يوم القيامة، وأنهم يرونه بالنظر إليه في الآخرة؛ لأنهم آمنوا به في الدنيا ولم يروه، وإنما استدلوا عليه سبحانه بآياته ورسالاته، فالله أكرمهم بالنظر إليه يوم القيامة.

والنظر إلى وجه الله عز وجل أعظم نعيم في الجنة.

هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهذه بعض أدلتهم من القرآن

وأما أدلتهم من السنة فكثيرة جداً بلغت حد التواتر، كما قال العلامة ابن القيم في كتابه القيم "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، وساق الأحاديث الواردة في الرؤية وقد بلغت حد التواتر.

منها: قوله عليه الصلاة والسلام: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، لا تُضامون في رؤيته –أو: لا تَضامُّون في رؤيته-"([3]) .
يعني : لا تزدحمون على رؤية الله عز وجل؛ لأن كل واحد يرى الرب وهو في مكانه من غير زحام كما أن الناس يرون الشمس والقمر من غير زحام؛ لأن العادة إذا كان الشيء في الأرض وخفي يزدحمون على رؤيته ولكن إذا كان الشيء مرتفعاً كالشمس والقمر فإنهم لا يزدحمون على رؤيته ، كلٌ يراه وهو في مكانه، إذا كان هذا في المخلوق الشمس والقمر، فكيف في الخالق سبحانه وتعالى؟

ولم ينكر الرؤية إلا أهل البدع كالجهمية والمعتزلة الذين ينفون الرؤية، يقولون: يلزم من إثبات الرؤية أن يكون الله في جهة، والله عندهم ليس في جهة، وهو عندهم لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمنه ولا يسرة، ليس في جهة، وهذا معناه أنه معدوم، تعالى الله عما يقولون ، فنفوا الرؤية من أجل هذا الرأي الباطل.

وأما الأشاعرة: لما لم يمكنهم إنكار الأدلة من الكتاب والسنة أثبوا الرؤية وقالوا: يُرى ولكن ليس في جهة، وهذا من التناقض العجيب! ليس هناك شيء يُرى وهو ليس في جهة، ولذلك رد عليهم المعتزلة؛ لأن هذا من المستحيل. وأهل السنة يقولون: يُرى سبحانه وتعالى وهو في جهة العلو من فوقهم، فالجهة إن أريد بها الجهة المخلوقة فالله ليس في جهة؛ لأنه ليس بحال في خلقه سبحانه وتعالى.

وإن أريد بها العلو فوق المخلوقات فهذا ثابت لله عز وجل، فالله في العلو فوق السماوات، فالجهة لم يرد إثباتها أو نفيها في كتاب الله، ولكن يقال فيها على التفصيل السابق.

ومعنى: "بغير إحاطة ولا كيفية" أنهم لا يحيطون بالله عز وجل، ويرونه سبحانه بغير إحاطة، والله عظيم لا يمكن الإحاطة به،
قال سبحانه: (ولا يحيطون به علماً) [طه:110]،
وقال جل وعلا: (لا تدركه الأبصار) [الأنعام:103]
يعني : لا تحيط به، وليس معناه: لا تراه؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يقل: لا تراه الأبصار، إنما قال: (لا تدركه الأبصار) فالإدراك شيء والرؤية شيء آخر، فهي تراه سبحانه بدون إحاطة، وفي هذا رد على من استدل بهذه الآية على نفي الرؤية وقال: الرؤية لا تمكن ؛ لأن الله قال: (لا تدركه الأبصار) . فنقول لهم: أنتم لا تعرفون معنى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) .

(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) ، معناها: لا تحيط به، وليس معناه: لا تراه، ولم يقل سبحانه: لا تراه الأبصار.

واستدلوا أيضاً فقالوا: موسى عليه السلام قال : (رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) [الأعراف:143]
هذا دليل على نفي الرؤية.

نقول لهم: هذا في الدنيا، لأن موسى سأل ذلك في الدنيا، ولا أحد يرى الله في الدنيا لا الأنبياء ولا غيرهم، وأما في الآخرة فيرى المؤمنون ربهم، وحال الدنيا ليست كحال الآخرة، فالناس في الدنيا ضعاف في أجسامهم وفي مداركهم، لا تستطيع أن ترى الله عز وجل، وأما في الآخرة فإن الله يعطيهم قوة يستطيعون بها أن يروا ربهم –جل وعلا- إكراماً لهم.

ولهذا لما سأل موسى ربه في هذه الآية
(قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً) [الأعراف:143]
الجبل اندك وصار تراباً، والجبل أصم صلب، فكيف بالمخلوق المكون من لحم ودم وعظام؟ فهو لا يستطيع رؤية الله في الدنيا.

وسؤال موسى رؤية الله دليل على جواز الرؤية وإمكانها؛ لأن موسى لا يسأل ربه شيئاً لا يجوز، إنما سأله شيئاً يجوز، ولكن لا يكون هذا في الدنيا، فالله سبحانه قال: (لن تراني) ولم يقل: إني لا أرى.

فالله يُرى في الآخرة([4])، وأولى الناس بهذه الرؤية الأنبياء.

وقوله: "ولا كيفية" أي : لا يقال: كيف يرون الله؟ لأن هذا كسائر صفات الله عز وجل لا نعرف كيفيتها، فنحن نؤمن به ونعرف معناها ونثبتها، ولكن الكيفية مجهولة ولا نعرفها، فالله أعلم بها سبحانه.

(59) كما نطق به كتاب ربنا: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة):

هذا صريح أنه نظر إلى الله بالأبصار حيث عُدّي بإلى، فمعناه الرؤية بالأبصار، قالت المعتزلة: (إلى ربها) (إلى) جمع بمعنى: نِعَم. أي إلى نِعَم ربها ناظرة. وهذا تخريف يضحك منه العقلاء، لأن الحرف لا يحول إلى جمع.

(60) وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه:

أي تفسير (إلى ربها ناظرة) [القيامة: 23]
أي : على ما أراده الله جل وعلا، وهو المعاينة بالأبصار، لا على ما أراده المبتدعة.
----------------


([1]) فعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة –يعني البدر- فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته…" .
أخرجه البخاري رقم (554) ومسلم رقم (633).
([2]) أخرجه مسلم رقم (181) والترمذي رقم (2557) .
([3]) أخرجه البخاري رقم (554،806،7434) ومسلم رقم (182) بلفظ: "تضارون" .

([4]) فعن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن" .

أخرجه البخاري رقم (4878، 4880) ومسلم رقم (180).












التوقيع




  رد مع اقتباس
قديم 06/03/2010, 09:44 PM   رقم المشاركه : 5
نــــوران
سردابي متميز جداً
 
الصورة الرمزية نــــوران





  الحالة :نــــوران غير متواجد حالياً
افتراضي رد: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية...د صالح بن فوزان

(62) ومعناه على ما أراد:

أي ما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم، لا على ما أراده المبتدعة والمحرفة.

(63) لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا:

كما يفعله الجهمية والمعتزلة ومن تتلمذ عليهم وأخذ برأيهم من التأويل الباطل.

بل الواجب علينا أن نتبع الكتاب والسنة، ولا نتدخل بعقولنا وأفكارنا ونحكمها على ما جاء في الكتاب والسنة، الواجب أن الكتاب والسنة يحكمان على العقول والأفكار([1]).

(64) فإنه ما سَلِمَ في دينه إلا من سلّم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:

ومعنى (سلَّم) أي : قَبِلَ ما جاء عن الله ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وآمن به على ما جاء، من غير أن يتدخل بتحريفه وتأويله، هذا معنى التسليم.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "آمنت بالله وبما جاء في كتاب الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي : لا على الهوى والتحريف وأقوال الناس([2]).

من سَلَّم وانقاد وردّ ما اشتبه عليه، ولم يعرف معناه أول لم يعرف كيفيته، رده إلى عالمه، وهو الله، سبحانه وتعالى، فالذي يشكل عليه شيء يرجع إلى أهل العلم وفوق كل ذي علم عليم، فإن لم يكن عند العلماء علم بهذا فإنه يجب تفويضه إلى الله جل وعلا.

(65) ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه:

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سأل أصحابه عن بعض الأشياء التي لا يعرفونها قالوا: الله ورسوله أعلم. فلا يدخلون في المتاهات ويتخرصون.

فإن وجدت عالماً موثوقاً يبين لك فالحمد لله، وإلا فابق على تسليمك واعتقادك أنه حق وأن له معنى، ولكن لم يتبين لك.

(66) ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام:

لا يثبت الإسلام الصحيح إلا بالتسليم لله عز وجل، قال سبحانه:
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) [النساء:65].

والاستسلام هو: الانقياد والطاعة لما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

(67) فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان:

من لم يؤمن بما حجب عنه علمه، مثل علم الكيفية، فالواجب علينا الإيمان بها وردها، أي : رد علمها إلى الله عز وجل
(فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً) [البقرة:26].

وقال عز وجل: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران:7]،
حجب الله علمه عن الخلق فلا تتعب نفسك، ثم قال: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌ من عند ربنا) [آل عمران:7].
يسلّمون ويستسلمون، ولا يمنعهم عدم معرفة معناه من الإيمان به والتسليم له. أو أن المعنى أنهم يردون المتشابه من كتاب الله إلى المحكم منه ليفسروه ويتضح معناه ويقولون: (كل من عند ربنا) .

(68) فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق التكذيب، والإقرار والإنكار:

من لم يُسلِّم لله ولا إلى الرسول، فإنه يحجب عن معرفة الله ومعرفة الحق، فيكون في متاهات وضلالات([3]).

وهذه حال المنافقين الذين يتذبذبون، تارة مع المسلمين وتارة مع المنافقين، وتارة يصدقون وتارة يكذبون (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) [البقر:20].
أما أهل الإيمان فما عرفوا قالوا به، وما لم يعرفوا وكلوا علمه إلى الله جل وعلا، ولا يكلفون أنفسهم شيئاً لا يعرفونه، أو يقولون على الله ما لا يعلمون –فالقول على الله بغير علم هو عديل الشرك، بل هو أعظم من الشرك، قال تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينـزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [الأعراف:33].
فجعل القول على الله بغير علم فوق الشرك بالله، مما يدل على خطورة القول على الله بغير علم.



(69) موسوساً تائهاً شاكاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً:

هذه حالة أهل التردد والنفاق، دائماً شاكين ، دائماً مترددين ومتذبذبين؛ لأنه ما ثبتت قدم أحدهم في الإسلام ولم يسلم لله ولا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

كما ذكر الله عن المنافقين أنهم (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) [النساء:143].،
(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون*الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) [البقرة:14،15].

(70) ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم:

دار السلام هي الجنة، فلا يصح الإيمان بالرؤية أي رؤية الله فيها لمن يتوهم ويتأول فيها وينفي حقيقتها، ولم يسلم لله ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتدخل فيها بفكره وفهمه.

(71) إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يُضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم :

كل هذا تأكيد لما سبق في أنه يجب التسليم لما جاء عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك الرؤية، لا نتدخل فيها كما تدخل أهل البدع، بل نثبتها كما جاءت ونؤمن بها، ونثبت أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات يوم القيامة قبل دخول الجنة، وبعد دخولهم الجنة يرونه أيضاً، إكراماً لهم حيث آمنوا به في الدنيا ولم يروه.

(72) وعليه دين المسلمين:

وهذا الأمر عليه دين المسلمين، وهو الإيمان والتسليم لما جاء عن الله ورسوله، وعدم التدخل في ذلك بالأفهام والأوهام والتأويلات الباطلة، والتحريفات الضالة، هذا دين الإسلام، بخلاف غير المسلمين، فإنهم يتدخلون فيما جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، ويحرفون الكلم عن مواضعه.

(73) ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنـزيه:

لابد كما سبق من الوسط بين التعطيل وبين التشبيه، فلا يبالغ ويغلو في تنـزيه الله حتى يعطل الله من صفاته كما فعل المعطلة، ولا يُثبت إثباتاً فيه غلو حتى يشبه الله بخلقه، بل يعتدل فيُثبت لله ما ثبته لنفسه له رسوله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تكييف، هذا هو الصراط المستقيم المعتدل.

فالله سبحانه وتعالى لا شبيه له، ولا مثيل ولا عديل له، سبحانه وتعالى.

(74) فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية:

صفات الوحدانية بأن الله واحد لا شريك له، لا في ربوبيته ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته، فهو واحد في كل هذه الحقائق.

(75) منعوت بنعوت الفردانية . ليس في معناه أحد من البرية:

منعوت، أي: موصوف بصفات الكمال، ونعوت الجلال، التي لا يشبهه فيها أحد من خلقه، بل أسماؤه وصفاته خاصة به ولائقة به، وصفات المخلوقين وأسماء المخلوقين خاصة بهم ولائقة بهم، وبهذا يتضح لك الحق والصواب، وتبرأ من طريقة المعطلة ومن طريقة المشبهة.

(76) وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات:

هذا فيه إجمال: إن كان يريد الحدود المخلوقة فالله منـزه عن الحدود والحلول في المخلوقات، وإن كان يريد بالحدود: الحدود غير المخلوقة، وهي جهة العلو، فهذا ثابت لله جل وعلا وتعالى، فالله لا ينـزه عن العلو، لأنه حق، فليس هذا من باب الحدود ولا من باب الجهات المخلوقة.

والغايات فيها إجمال أيضاً، فهي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، فإن كان المراد بالغاية: الحكمة من خلق المخلوقات، وأنه خلقها لحكمة، فهذا حق، ولكن يقال: حكمة، لا يقال: غاية، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات:56].

وإن أريد بالغاية: الحاجة إلى المخلوقات، فنعم، هذا نفي صحيح، فالله عز وجل لم يخلق الخلق لحاجته وفقره إليهم، فإنه غني عن العالمين.

(والأركان، والأعضاء، والأدوات) فيها إجمال أيضاً، إن أُريد بالأركان والأعضاء والأدوات: الصفات الذاتية مثل الوجه، واليدين، فهذا حق، ونفيه باطل. وإن أُريد نفي الأعضاء التي تشابه أعضاء المخلوقين وأدوات المخلوقين فالله سبحانه منـزه عن ذلك، فالأبعاض والأعضاء فالحاصل أن هذا فيه تفصيل:

أولاً: إذا أُريد بذلك نفي الصفات الذاتية عن الله تعالى من الوجه واليدين، وما ثبت له سبحانه وتعالى من صفاته الذاتية، فهذا باطل.

ثانياً: أما إن أُريد بذلك أن الله منـزه عن مشابهة أبعاض المخلوقين وأعضاء المخلوقين وأدوات المخلوقين، فنعم، الله منـزه عن ذلك؛ لأنه لا يشبهه أحد من خلقه، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته.

الحاصل: أن هذه الألفاظ التي ساقها المصنف فيها إجمال ولكن يحمل كلامه على الحق؛ لأنه –رحمه الله تعالى- من أهل السنة والجماعة، ولأنه من أئمة المحدثين، فلا يمكن أن يقصد المعاني السيئة، ولكنه يقصد المعاني الصحيحة،وليته فصّل ذلك وبيّنه ولم يجمل هذا الإجمال .

(77) لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.

نقول: هذا فيه إجمال، إن أُريد الجهات المخلوقة، فالله منـزّه عن ذلك، لا يحويه شيء من مخلوقاته، وإن أُريد جهة العلو وأنه فوق المخلوقات كلها، فهذا حق ونفيه باطل، ولعل قصد المؤلف بالجهات الست، أي: الجهات المخلوقة؛ لا جهة العلو لأنه مثبت للعلو –رحمه الله-، ومثبت للاستواء.

(78) والمعراج حق، وقد أُسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:

معنى الإسراء هو السير ليلاً، فقد أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة.

أسرى به جبريل بأمر من الله تعالى قال تعالى
(سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا) [الإسراء:1]..

وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه المسافة كانت تقطع في شهر أو أكثر، وقطعها النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة.

وأما المعراج: فهو آله الصعود وعرج، يعني صعد
(تعرج الملائكة والروح إليه) [المعارج:4].
يعني : تصعد، فالعروج معناه: الصعود، والمعراج آلة الصعود التي يصعد بها.

وكلاهما ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم ([4]).

فالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأما المعراج فمن الأرض إلى السماء، وكل هذا حصل في ليلة واحدة، أُسري به إلى بيت المقدس وصلى فيه بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماء وجاوز السبع الطباق، وأراه الله من آياته ما أراه من آياته الكبرى، ثم نزل إلى الأرض، ثم جاء به جبريل إلى المكان الذي أُسري به منه في ليلة واحدة.

فالإسراء مذكور في سورة الإسراء، والمعراج مذكور في سورة النجم
(والنجم إذا هوى*ما ضل صاحبكم وما غوى*وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى* علمه شديد القوى) [النجم:1،5]
يعني : جبريل (ذو مرة فاستوى*وهو بالأفق الأعلى) [النجم: 6،7]
هذا العروج، (ثم دنا) من ربه سبحانه وتعالى أو أن جبريل دنا من الرسول صلى الله عليه وسلم:
(فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى) [النجم:8،10].

فالإسراء والمعراج حق، ومن أنكرهما واستبعدهما فهو كافر بالله عز وجل، ومن تأولهما فهو ضال، ولم ينكره إلا المشركون، فمن يقول: أُسري بروحه دون جسده، أو كان ذلك مناماً لا يقظة، فهذا ضلال؛ لأن الله قال: (أسرى بعبده) والعبد اسم للروح والبدن، لا يقال للروح إنها عبد، وكان الإسراء في حال اليقظة ولم يكن مناماً؛ لأن المنام ليس فيه عبرة، كل الناس يرون الرؤيا ويرون عجائب، وليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

(79) وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء :

عرج بشخصه، رد على الذين يقولون: عرج بروحه، بل عرج بشخصه –والشخص اسم للروح والجسم، والله يقول: (أسرى بعبده) .

(80) ثم إلى حيث شاء الله من العلا. وأكرمه الله بما شاء :

هذا المعراج إلى السماء

(81) وأوحى إليه ما أوحى (ما كذب الفؤاد ما رأى) :

أوحى الله إليه بذلك المكان ما أوحى ، وكلمه الله سبحانه ولم ير الله؛ لأن الله لا يُرى في الدنيا .

هذا المعراج المذكور في سورة النجم .

(82) فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى:

هذا من حقوقه عليه الصلاة والسلام: أن يصلى عليه ويسلم عند ذكره
(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) [الأحزاب:56].

ولما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وأخبر المشركين بهذه الحادثة اشتد كفرهم وتكذيبهم بهذه المناسبة؛ من أجل أن يشوهوا الرسول صلى الله عليه وسلم. ويقولون: نحن نمشي إلى فلسطين مدة شهر فأكثر، وهو يقول: في ليلة واحدة ! فارتد بعض ضعاف الإيمان بسبب هذه الحادثة، وأما أهل الإيمان الصحيح فثبتوا وصدقوا، ولهذا لما قالوا لأبي بكر رضي الله عنه: أما ترى صاحبك كيف يقول؟ قال: وماذا يقول؟ قالوا: إنه يقول: إنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء في ليلة واحدة، قال: فإن كان قاله فهو كما قال. لأنه لا ينطق عن الهوى. وقال: أنا أصدقه بخبر السماء –أي الوحي- أفلا أصدقه في هذا!؟ هذا هو الإيمان الثابت الراسخ الذي لا يتزعزع.

(83) والحوض الذي أكرمه الله تعالى به –غياثاً لأمته- حق:

من جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة ما صح فيه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور يوم القيامة، وما يحدث في يوم القيامة من أمور، فمن ذلك :

الحوض: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن له حوضاً([5]) في يوم القيامة في المحشر يرده أتباعه الذين آمنوا به واتبعوه، فيشربون منه، فإذا شربوا منه شربة واحدة لم يظمؤوا بعدها أبداً، وذلك لأن يوم القيامة يوم شديد وعصيب وفيه حر شديد.

فيحصل الظمأ الشديد، فجعل الله هذا الحوض غياثاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يغيثهم به، ومعلوم أن الغيث الذي ينـزله الله من السماء تحيا به الأرض وتحيا به النفوس، فكذلك الحوض فإنه غياثٌ يغيث الله به العباد عند شدة حاجتهم إلى الماء .

والحوض هو مجمع الماء، وقد وصفه عليه الصلاة والسلام بأنه حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر، وآنيته عدد نجوم السماء، وأن من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل([6]).

وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه يرده أقوامٌ ثم يذادون ويمنعون من الشرب منه، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "يارب، أمتي، أمتي" فيقول الله عز وجل : "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" فيقول عليه الصلاة والسلام: "سُحقاً وبُعداً لمن بدّل وغير" ([7])، ويمنع من وروده أهل البدع المضلة المخالفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كفروا وارتدوا على أعقابهم، تاركين السنة، وذاهبين بأهوائهم وآرائهم المذاهب المنحرفة، هؤلاء يمنعون من حوض النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم بدلوا وغيروا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يرده إلا من كان متبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً واعتقاداً، وبعض العلماء يرى أن الكوثر المذكور في قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر:1]
هو الحوض، وبعض العلماء يرى أن معنى الكوثر: الخير الكثير، ولا شك أن الحوض يدخل في هذا الخير الكثير؛ لأنه خير لهذه الأمة([8])، فهذا هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب الإيمان به واعتقاده، وأن يتمسك الإنسان بالسنة، حتى يرد هذا الحوض، ولا يُردّ عنه يوم القيامة.
----------------


([1]) فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم"
أخرجه البخاري رقم (2457) ومسلم رقم (2668) .
([2]) قال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي:
نهاية إقدام العقــول عقــال وغاية سعي العالمـين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصـل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
انظر: طبقات الشافعية للسبكي (8/96) .
([3]) فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً. أخرجه مسلم رقم (2670).
قال ابن الأثير في النهاية (5/74): "هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقهم. مأخوذ من النّطع، وهو الغار الأعلى على الفم، ثم استعمل في كل تعمق قولاً وفعلاً" أهـ.
([4]) حديث الإسراء والمعراج أخرجه البخاري رقم (3207،7517) ومسلم رقم (162).
([5]) فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء" .
أخرجه البخاري رقم (6580) ومسلم رقم (2303) .
([6]) فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبداً". أخرجه البخاري رقم (6579) ومسلم رقم (2292) .
([7]) أخرجه البخاري رقم (6582، 6584،7051) ، ومسلم رقم (2291، 2304).



([8]) فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه أخرجه البخاري رقم (4966، 6578) .

وعن أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفي إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنزلت عليّ آنفاً سورة" فقرأ: (إنا أعطيناك الكوثر) ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟" فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة…"

أخرجه مسلم رقم (400) .












التوقيع




  رد مع اقتباس
قديم 19/04/2010, 07:46 AM   رقم المشاركه : 6
السليماني
سردابي نشيط جدا






  الحالة :السليماني غير متواجد حالياً
افتراضي رد: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية...د صالح بن فوزان

حفظ الله الشيخ

جزاك الله خيراً












التوقيع

قال ابو حاتم الرازي رحمه الله

((علامة اهل البدع الوقيعة في أهل الأثر
وعلامة الزنادقة تسمية أهل الأثر حشوية يريدون بذلك إبطال الآثار)عقيدة السلف وأصحاب الحديث للإمام الصابوني ( ص304)



مدونة لبعض المشاركات

http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/

  رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم


تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 07:43 PM

Powered by vBulletin®