أعلان إدارة السرداب

العودة   AL SerdaaB - منهاج السنة السرداب > ~¤§¦ ملتقى حــــفــيــــدات عــائــــشــــة ¦§¤~ > الــحـــفــــيــــدات الــــــعـــــــــــــام
المتابعة التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع
قديم 06/03/2014, 08:09 AM   رقم المشاركه : 1
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول عليه الصلاة والسلام



بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول عليه الصلاة والسلام

ان الواجب الاسلامي والنصيحة لله ولعباده، كل ذلك، يوجب علينا بيان حكم الاسلام في من طعن في القرآن بأنه متناقض، أو مشتمل على بعض الخرافات، وفي من طعن في الرسول صلى الله عليه وسلم بأي نوع من أنواع الطعن غيرة لله سبحانه، وغضبا له - عز وجل - وانتصارا لكتابه العزيز، ولرسوله الكريم، وأداء لبعض حقه علينا.

فنقول:
قد دل كتاب الله عز وجل وسُنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام واجماع الأمة على ان كتاب الله، سبحانه، محكم غاية الاحكام، وعلى أنه كله كلام الله - عز وجل - ومنزَّل من عنده، وليس فيه شيء من الخرافات والكذب، كما دلت الأدلة المذكورة على وجوب تعزير الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره، ونصرته، ودلت أيضا على ان الطعن في كتاب الله أو في جناب الرسول صلى الله عليه وسلم كفر أكبر، وردَّة عن الاسلام، واليك - أيها القارئ الكريم - بيان ذلك:
قال الله تعالى في سورة يونس {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1] وقال في أول سورة هود: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] وقال عز وجل في أول سورة لقمان: {الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [لقمان: 1] وذكر علماء التفسير رحمهم الله في تفسير هذه الآيات، ان معنى ذلك أنه متقن الألفاظ والمعاني، مشتمل على الأحكام العادلة، والأخبار الصادقة، والشرائع المستقيمة، وأنه الحاكم بين العباد في ما يختلفون فيه، كما قال الله سبحانه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْن النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213] الآية، وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ الَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ الَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 23] الآية.

فكيف يكون محكم الألفاظ والمعاني، وحاكما بين الناس وهو متناقض مشتمل على بعض الخرافات؟ وكيف يكون محكما وموثوقا به اذا كان الرسول الذي جاء به انسانا بسيطا لا يفرق بين الحق والخرافة؟ فعلم بذلك ان من وصف القرآن بالتناقض أو بالاشتمال على بعض الخرافات، أو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا فإنه متنقص لكتاب الله، ومكذب لخبر الله، وقادح في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كمال عقله، فيكون بذلك كافراً مرتداً عن الاسلام - ان كان مسلما قبل ان يقول هذه المقالة - وقال الله سبحانه في أول سورة يوسف: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ انَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا الَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَانْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 1 - 3] وقال سبحانه في سورة الزمر: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23] الآية...

ومعنى (متشابها) في هذه الآية - عند أهل العلم - يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، فكيف يكون بهذا المعنى؟ وكيف يكون أحسن الحديث وأحسن القصص وهو متناقض، مشتمل على بعض الخرافات؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبه: أما بعد فان خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن طعن في القرآن، بما ذكرنا أو غيره من أنواع المطاعن فهو مكذب لله - عز وجل - في وصفه لكتابه بأنه أحسن القصص وأحسن الحديث، ومكذب للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: انه خير الحديث وقال سبحانه وتعالى في وصف القرآن الكريم: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 2] وقال: {وَانَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 192- 193] وقال {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92] وقال: {انَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَانَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وقال: {وَانَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42] الى أمثال هذه الآيات الكثيرة في كتاب الله، فمن زعم أنه متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات التي أدخلها فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مما تلقاه من بادية الصحراء أو غيرهم فقد زعم ان بعضه غير منزل من عند الله وأنه غير محفوظ، كما أنه بذلك قد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كذب على الله وأدخل في كتابه ما ليس منه، وهو - مع ذلك - يقول للناس: ان القرآن كلام الله، وهذا غاية في الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم ووصفه بالكذب على الله وعلى عباده، وهذا من أقبح الكفر والضلال والظلم، كما قال الله سبحانه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ اذْ جَاءَهُ ألَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32] وقال عز وجل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ الى وَلَمْ يُوحَ الَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93]، الآية، وقال تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ ايمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66] الآية.

ذكر علماء التفسير - رحمهم الله - ان هذه الآية نزلت في جماعة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال بعضهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. وقال بعضهم: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا، والله لنا بكم غدا مقرنين في الحبال، قال بعضهم: يظن هذا ان يفتح قصور الروم وحصونها، هيهات، فأنزل الله قوله سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ انَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ ايمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66] الآية، فجاءوا الى الرسول صلى الله عليه وسلم يعتذرون ويقولون: انما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فلم يعذرهم، بل قال لهم عليه الصلاة والسلام: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ ايمَانِكُمْ}، فإذا كان هذا الكلام، الذي قاله هؤلاء يعتبر استهزاء بالله وآياته ورسوله، وكفرا بعد ايمان، فكيف بحال من قال في القرآن العظيم: انه متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات، أو قال في الرسول صلى الله عليه وسلم: انه انسان بسيط لا يميز بين الحق والخرافة، لا شك في ان من قال هذا هو أقبح استهزاء، وأعظم كفرا!.



(ذكر كلام العلماء فيمن طعن في القرآن الكريم أو الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم أو استهزأ بهما، أو سب الله، أو الرسول صلى الله عليه وسلم)

قال الامام أبوعبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير هذه الآية ما نصه:
(قال القاضي: أبوبكر بن العربي: لا يخلو ان يكون ما قالوه في ذلك جداً أو هزلاً وهو كيفما كان كفر، فان الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة) انتهى المقصود.

وقال القاضي عياض بن موسى - رحمه الله - في كتابه (الشفاء بتعريف حقوق المصطفى) ص 325 ما نصه:
(واعلم ان من استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما أو جحده أو حرفاً منه أو آية، أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم، أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك - فهو كافر عند أهل العلم باجماع، قال الله تعالى: {وَانَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42] انتهى المقصود.

وقال القاضي عياض في كتابه المذكور، في حكم سب النبي صلى الله عليه وسلم ص 233 ما نصه:
(اعلم وفقنا الله واياك، ان جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به، أو شبهه بشيء، على طريق السب له أو الازراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب - يقتل كما نبينه، ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحاً أو تلويحاً.
وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى له أو نسب اليه ما لا يليق بمنصبه، على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء أو المحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة، والمعهودة لديه، وهذا كله اجماع العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة - رضوان الله عليهم - الى هلم جرا. قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على ان من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس، والليث، وأحمد، واسحاق، وهو مذهب الشافعي.انتهى.

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ص 3 ما نصه:
(المسألة الأولى: ان من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم وكافر، فانه يجب قتله، هذا ما ذهب عليه عامة أهل العلم، ثم نقل كلام أبي بكر بن المنذر - المتقدم ذكره في كلام القاضي عياض - ثم قال شيخ الاسلام رحمه الله ما نصه: وقد حكى أبوبكر الفارسي - من أصحاب الشافعي - اجماع المسلمين على ان حد من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل، كما ان حد من سب غيره الجلد، وهذا الاجماع الذي حكاه محمول على اجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين، أو أنه أراد به اجماعهم على ان ساب النبي صلى الله عليه وسلم يجب قتله اذا كان مسلما، وكذلك قيّده القاضي عياض، فقال: أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه.

وكذلك حكي عن غير واحد الاجماع على قتله وتكفيره، وقال الامام اسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام رحمه الله:
أجمع المسلمون على ان من سب الله، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله عز وجل، أو قتل نبياً من أنبياء الله عز وجل أنه كافر بذلك، وان كان مقراً بكل ما أنزل الله، قال الخطابي رحمه الله: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله، وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على ان شاتم النبي صلى الله عليه وسلم والمنتقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه - عند الأمة - القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر.

ثم قال شيخ الاسلام أبوالعباس رحمه الله:
وتحرير القول فيه ان الساب - ان كان مسلماً - فانه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وقد تقدم ممن حكى الاجماع على ذلك اسحاق بن راهويه وغيره، ثم ذكر الخلاف فيما اذا كان الساب ذمياً، ثم ذكر رحمه الله في آخر الكتاب، ص 512 ما نصه:
المسألة الرابعة في بيان السب المذكور، والفرق بينه وبين مجرد الكفر، وقبل ذلك لابد من تقديم مقدمة، وقد كان يليق ان تذكر في أول المسألة الأولى، وذكرها هنا مناسب - أيضا - لنكشف سر المسألة، وذلك ان نقول: ان سب الله، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم كفر ظاهر وباطن، سواء كان الساب يعتقد ان ذلك محرم أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الايمان قول وعمل. الى ان قال رحمه الله في ص 538 ما نصه:
(التكلم في تمثيل سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر صفته ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم ان نتفوه بذلك ذاكرين، لكن للاحتياج الى الكلام في حكم ذلك نحن نفرض الكلام في أنواع السب مطلقاً من غير تعيين، والفقيه يأخذ حظه من ذلك، فنقول: السب نوعان: دعاء وخبر، فأما الدعاء فمثل ان يقول القائل لغيره: لعنه الله أو قبحه الله أو أخزاه الله، أو لا رحمه الله أو لا رضي الله عنه أو قطع الله دابره، فهذا وأمثاله سب للأنبياء ولغيرهم، وكذلك لو قال عن نبي لا صلى الله عليه أو لا سلم، أو لا رفع الله ذكره، أو محى الله اسمه ونحو ذلك من الدعاء عليه، بما فيه ضرر عليه في الدنيا أو في الآخرة، فهذا كله اذا صدر من مسلم أو معاهد، فهو سب، فأما المسلم فيقتل به بكل حال، وأما الذمي فيقتل بذلك اذا أظهره. الى ان قال رحمه الله ص 540:
النوع الثاني: الخبر، فكل ما عده الناس شتماً، أو سباً أو تنقصاً فانه يجب به القتل، فان الكفر ليس مستلزما للسب، وقد يكون الرجل كافراً ليس بساب، والناس يعلمون علما عاما ان الرجل قد يبغض الرجل ويعتقد فيه العقيدة القبيحة ولا يسبه، وقد يضم الى ذلك مسبة، وان كانت المسبة مطابقة للمعتقد، فليس كل ما يحتمل عقداً يحتمل قولاً، ولا ما يحتمل ان يقال سراً، يحتمل ان يقال جهراً.

والكلمة الواحدة تكون في حال سباً، وفي حال ليست بسب، فعلم ان هذا يختلف باختلاف الأقوال والأحوال، واذا لم يأت للسب حد معروف في اللغة ولا في الشرع، فالمرجع فيه الى عرف الناس، فما كان في العرف سباً للنبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي يجب ان ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء، وما لا فلا) انتهى المقصود.


يُتبع،،،



سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز- رحمه الله-

جريدة الوطن (الكويت)
ديسمبر- 2013












التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

  رد مع اقتباس
قديم 25/03/2014, 08:09 AM   رقم المشاركه : 2
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول عليه الصلاة والسلام


بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول عليه الصلاة والسلام (2)



كشف الشبه المذكورة في الكلام المنسوب الى القائلين به

وقع في الكلام المنسوب الى من قال بذلك ستة أمور شنيعة:
الأول: القول بتناقض القرآن، وقد مثل لذلك بقوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا الا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، وقوله عز وجل: {انَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

الثاني: انكار قصة عصا موسى، وقصة أهل الكهف، والتصريح بأنها من الأساطير.

الثالث: ان الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم كان انساناً بسيطاً يسافر كثيراً عبر الصحراء العربية ويستمع الى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وقد نقل الخرافات الى القرآن، مثال ذلك عصا موسى، وقصة أهل الكهف.

الرابع: انكار اعطاء المرأة نصف ما يعطى الذكر في الميراث، والزعم ان ذلك ليس من المنطق، وأنه نقص يجب البدار الى ازالته، لأنه لا يناسب تطور المجتمع، وذكر بأنه ينبغي للحكام ان يطوروا الأحكام حسب تطور المجتمع.

الخامس: انكار تعدد النساء وحجره ذلك على بعض الناس، لأنه لا يناسب تطور المجتمع.

السادس: القول بأن المسلمين وصلوا الى تأليه الرسول محمد، فهم دائما يكررون: محمد صلى الله عليه وسلم، الله يصلي على محمد، وهذا تأليه لمحمد. انتهى.

ونحن - ان شاء الله - نبين بطلان ما ذكر في هذه الأمور الستة، ونكشف الشبه بالأدلة القاطعة، وان كان الأمر في ذلك واضحاً بحمد الله لكل من له أدنى بصيرة، ولكن مقصودنا من ذلك انكار هذا المنكر وايضاح الحق لمن قد تروج عليه بعض هذه الشبه ويحار في ردها، والله المستعان.

فنقول:
القول بأن القرآن متناقض، فهذا من أقبح المنكرات، ومن الكفر الصريح - كما سبق بيانه - لأنه تنقص للقرآن، وسب له، لأن السب هو التنقص للمسبوب ووصفه بما لا يليق، وقد بينا فيما مضى بالأدلة القاطعة ان القرآن بريء من ذلك، وأنه بحمد الله في غاية الاحكام والاتقان، كما قال سبحانه: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 2]، وقال: {وَانَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42].

وقال عز وجل: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، الى غير ذلك من الآيات السابقات الدالة على احكامه واتقانه، وأنه أحسن الحديث وأحسن القصص، وتقدم ذكر اجماع العلماء على ذلك، وعلى كفر من تنقصه أو جحد شيئاً منه، أما الآيتان المذكورتان وما جاء في معناهما من الآيات الدالة على اثبات القدر، وعلى تعليق المسببات بأسبابها فليس بينها تناقض، وانما أتى من زعم ذلك من جهة فساد فهمه، ونقص علمه، كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيم


وقد أجمع كل من لديه علم وانصاف وبصيرة باللغة العربية من علماء الاسلام وخصومه، ان كتاب الله في غاية من الاحكام والاتقان، وأنه خير كتاب وأفضل كتاب، وأنه لم ينزل كتاب أفضل منه، لما اشتمل عليه من العلوم النافعة والأحكام العادلة، والأخبار الصادقة، والشرائع القويمة، والأسلوب البليغ المقنع، كما قال الله سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115]، أي صدقا في الأخبار، وعدلاً في الشرائع والأحكام، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] الآية، قال العلماء: الهدى: هو ما فيه من العلوم النافعة والأخبار الصادقة، ودين الحق: هو ما فيه من الشرائع القويمة والأحكام الرشيدة.

اذا علم هذا فالجمع بين الآيتين المذكورتين وما في معناهما هو ان الله سبحانه قد قدر مقادير الخلائق، وعلم ما هم عاملون، وقدر أرزاقهم وآجالهم، وكتب ذلك كله لديه، كما قال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا الا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] الآية...وقال سبحانه: {أَلَمْ تَعْلَمْ ان اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ان ذَلِكَ فِي كِتَابٍ ان ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70].

وقال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ الا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ ان نَبْرَأَهَا ان ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي الصحيحين عن على رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد الا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فقال صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسرٌ لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة» ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10].

وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة - رضي الله عنهما - ان جبرائيل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الايمان فقال صلى الله عليه وسلم «الايمان ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» هذا لفظ عمر، ولفظ أبي هريرة: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث وتؤمن بالقدر كله».

وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل ان يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال وعرشه على الماء» وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس».

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي هذه الآيات والأحاديث الدلالة على ان الله سبحانه قد قدر الأشياء وعلمها وكتبها، وأن الايمان بذلك أصل من أصول الايمان الستة التي يجب على كل مسلم الايمان بها، ويدخل في ذلك أنه سبحانه، خلق الأشياء كلها، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال عز وجل: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62]، وقال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35]، وقال سبحانه: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ ان يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ الا ان يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28 - 29]، فعلمه سبحانه، محيط بكل شيء، وقدرته شاملة لكل شيء، كما قال سبحانه: {لِتَعْلَمُوا ان اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، وهو مع ذلك سبحانه قد أعطى العباد العقول والاسماع والأبصار والأدوات التي يستطيعون بها ان يفعلوا ما ينفعهم، ويتركوا ما يضرهم، وأن يعرفوا بها الضار والنافع، والخير والشر، والضلال والهدى، وغير ذلك من الأمور التي مكن الله العباد من ادراكها بعقولهم واسماعهم وأبصارهم وسائر حواسهم.

وجعل لهم سبحانه عملاً واختياراً ومشيئة، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته وأمرهم بالأسباب، ووعدهم على طاعته الثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، وعلى معاصيه العذاب الأليم، فهم يعملون ويكدحون، وتنسب اليهم أعمالهم وطاعاتهم ومعاصيهم، لأنهم فعلوها بالمشيئة والاختيار، كما قال عز وجل: {انَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132]، {انَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، وقال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 1 - 4]، الآيات، وقال سبحانه: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254].

وقال سبحانه: {انَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَاذَا قَامُوا الَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ الا قَلِيلًا} [النساء: 142].

والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما لا يحصى ولكنهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيئة الله بهذه الأعمال وارادته الكونية، كما قال عز وجل: {كَلا انَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ الا ان يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 54 - 56]، وقال سبحانه: {وَمَا تَشَاءُونَ الا ان يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، وقال عز وجل: {انَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ الَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ الا ان يَشَاءَ اللَّهُ ان اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 29 - 31].

وبما ذكرنا من هذه الآيات يتضح معنى قوله سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا الا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] وقوله عز وجل: {انَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

فالآية الأولى دلت على ان جميع ما يصيب العباد، مما يحبون ويكرهون، كله مكتوب عليهم، ودلت الثانية على ان الله سبحانه قد رتب على أعمال العباد وما يقع منهم من الأسباب، مسبباتها وموجباتها، فالمؤمن عند المصيبة، يفزع الى القدر فيطمئن قلبه، وترتاح نفسه به، لايمانه بأن الله سبحانه قد قدر كل شيء، وأنه لن يصيبه الا ما كتب الله له، ويحارب الهموم والغموم والأوهام، ويصبر ويحتسب رجاء ما وعد الله به الصابرين بقوله سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ اذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا انَّا لِلَّهِ وَانَّا الَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

ولا يمنعه ذلك من الأخذ بالأسباب والقيام بما أوجب الله عليه، وتركه ما حرم الله عليه عملاً بقول الله عز وجل: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن فان أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء الله فعل فان لو تفتح عمل الشيطان» أخرجه مسلم في صحيحه.

وبذلك يستحق المدح والثناء والثواب العاجل والآجل على أعماله الطيبة وأخذه بالأسباب النافعة، وابتعاده عن كل ما يضره، ويستحق الذم والوعيد وأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة على ما يفعله من المعاصي والمخالفات، وعلى تفريطه في الأخذ بالأسباب وعدم اعداده لعدوه ما يستطيع من القوة.

وقد جرت سنة الله في عباده أنهم اذا استقاموا على دينه وتباعدوا عن غضبه وجاهدوا في سبيله أنه ينصرهم، ويجمع كلمتهم ويجعل لهم العاقبة الحميدة، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ان تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] وقال سبحانه: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[الروم: 47] وقال عز وجل: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ان اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ ان مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40 - 41] وقال سبحانه: {فَاصْبِرْ ان الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49].

أما اذا ضيعوا أمره وتابعوا الأهواء واختلفوا بينهم، فان الله سبحانه يغير ما بهم، من عز واجتماع كلمة، ويسلط عليهم الأعداء، ويصيبهم بأنواع العقوبات من القتل والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات وغير ذلك جزاءً وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد، وهذا هو معنى قوله عز وجل: {انَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
والمعنى: أنه سبحانه لا يغير ما بالعباد، من عز ورغد عيش واتحاد كلمة وغير ذلك من صنوف النعم، الا اذا غيروا ما بأنفسهم من طاعته والاستقامة على دينه، والأخذ بالأسباب النافعة، واعداد المستطاع من القوة، والقيام بالجهاد، فاذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فصاروا بعد العزة أذلة، وبعد الاجتماع والاتحاد متفرقين ومختلفين، وبعد رغد العيش وأمن السبل الى فقر وحاجة واختلال آمن، الى غير ذلك من أنواع العقوبات، وهذا هو معنى قوله عز وجل في الآية الأخرى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] فاذا تابوا الى الله سبحانه، وبادروا الى الأعمال الصالحات والأخذ بالأسباب الشرعية والحسية، وأعدوا لعدوهم ما استطاعوا من القوة وجاهدوا في الله حق جهاده، أعطاهم الله العزة بعد الذلة، والقوة بعد الضعف، والاتحاد بعد الاختلاف، والغنى بعد الفقر، والأمن بعد الخوف الى غير ذلك من أنواع النعم.

وكما ان النصوص من الكتاب والسنة، قد دلت على ما ذكرنا، فالواقع التاريخي شاهد بذلك، ومن تأمل أحوال هذه الأمة، في ماضيها وحاضرها، وما جرى عليها من أنواع التغير والاختلاف عرف ما ذكرنا واتضح له معنى الآيتين، وأوضح شاهد على ذلك ما جرى لصدر هذه الأمة من العز والتمكين والنصر على الأعداء بسبب قيامهم بأمر الله وتعاونهم على البر والتقوى، وصدقهم في الأخذ بالأسباب النافعة وجهاد الأعداء، فلما غيروا غير عليهم، وفي واقعة بدر وأحد شاهد لما ذكرنا، فان المسلمين لما صدقوا مع نبيهم صلى الله عليه وسلم في جهاد العدو يوم بدر، نصرهم الله مع قلتهم وكثرة عدوهم، وصارت الدائرة على الكافرين.

ولما أخل الرماة يوم أحد بموقفهم، وفشلوا وتنازعوا وعصوا نبيهم صلى الله عليه وسلم في أمره لهم بلزوم موقفهم جرى ما جرى من الهزيمة، وقتل سبعون من المسلمين، وجرح عدد كثير منهم، ولما استنكر المسلمون ذلك واستغربوه أنزل قوله سبحانه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ان اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]. فاذا كان خير الأمة وأفضلهم، وفيهم سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اذا غيروا غير عليهم، فكيف بغيرهم من الناس!، لا شك ان غيرهم من باب أولى ان يغير عليهم اذا غيروا، وهم في ذلك كله لم يخرجوا عن قدر الله وما كتبه عليهم، لقوله عز وجل: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، وقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ الا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ ان نَبْرَأَهَا ان ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] وبهذا يتضح لطالب الحق معنى قوله سبحانه: {انَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وقوله سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا الا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] الآية، ويعلم ان كلا منهما حق وأنه ليس بينهما تناقض، مع العلم بأن الله عز وجل قد يبتلي عباده المؤمنين بالسراء والضراء، ليمتحن صبرهم وجهادهم، وليكونوا أسوة لغيرهم، ثم يجعل لهم العاقبة كما قال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] وقال سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ ان تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

يُتبع،،،



سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز- رحمه الله-

جريدة الوطن (الكويت)
ديسمبر- 2013












التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

  رد مع اقتباس
قديم 20/04/2014, 01:34 PM   رقم المشاركه : 3
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول عليه الصلاة والسلام



بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن
أو في الرسول عليه الصلاة والسلام (3)


سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز- رحمه الله-

وأما الثاني والثالث من الأمور المنكرة التي وقعت في الكلام المذكور، فهما: الزعم أن قصة موسى، وقصة أهل الكهف من الأساطير، ومن الخرافات التي نقلها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القرآن.لأنه صلى الله عليه وسلم في زعم هذا القائل - كان إنساناً بسيطاً يسافر في الصحراء العربية، ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت، التي منها - بزعمه - القصتان المذكورتان.

ولا ريب أن هذا الكلام الشنيع مما يثقل على القلب واللسان ذكره، لما اشتمل عليه من أنواع الكفر الصريح، والردة الكبرى في الإسلام - كما تقدم بيان ذلك ونقلنا الإجماع عليه - ولكن لمسيس الحاجة إلى كشف شبهة قائله، اضطررنا إلى نقله وكتابته وشبهته فيما افتراه من هذا الزعم الباطل هي أن هاتين القصتين لا يقبلهما العقل، لكون العصا جماداً لا تقبل الحياة، ولأن نوم أهل الكهف طويل جداً، وهذه الشبهة باطلة من وجوه، الوجه الأول: أن العقل لا مجال له في هذا المقام، وإنما الواجب على جميع العقلاء التصديق بما أخبر الله به ورسوله واتباعه، وعدم التكذيب بشيء منه، وليس لأحد أن يحكم عقله في الإيمان ببعض المنزل وإنكار بعضه.
لقول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 136] الآية، وقوله سبحانه: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن: 8]، وقال عز وجل: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].

وقد أثنى الله سبحانه على الرسول والمؤمنين بالتصديق بما أنزل إليهم من ربهم، ووصف المتقين بذلك، وأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح، فقال سبحانه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

وقال سبحانه: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 1- 5]، وحكم سبحانه على من آمن ببعض وكفر ببعض بأنه هو الكافر حقا، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150- 151]، وأنكر سبحانه على اليهود هذا التفريق وتوعدهم عليه، فقال سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}[البقرة: 85].

الوجه الثاني: أن الله سبحانه لا أصدق منه، وهو العالم بكل ما كان وما سيكون، وكتابه هو أحسن الحديث، وأحسن القصص، وقد ضمن حفظه وأخبر أنه {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} كما قال عز وجل: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، قال سبحانه: {اللَّه نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23] الآية. ومعنى قوله: {مُتَشَابِهًا} في هذه الآية: يشبه بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً - كما سبق بيان ذلك - وقال جل وعلا: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ}[يوسف: 3] الآية، وقال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت: 42- 43]، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115] وقال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12].

فكيف يجوز - بعد هذا - لأحد من الناس أن يحكم عقله في التصديق ببعض الكتاب والكفر ببعضه، ثم الرسول صلى الله عليه وسلم هو أصدق الناس وأعلمهم بما أنزل عليه، وأكملهم عقلا وأزكاهم نفساً - بالنص والإجماع - وقد وصفه الله سبحانه بأزكى الصفات وأفضلها، وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى، كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45- 46]، وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقال سبحانه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 1- 4] والآيات، وقد أجمع العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم وجميع المرسلين معصومون في كل ما يبلغونه عن الله عز وجل من الكتب والشرائع، وقد توعده الله سبحانه بالوعيد الشديد لو تقول عليه ما لم يقل، فقال سبحانه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44- 47].

وقد حماه الله من ذلك وصانه وحفظه ونصره وأيده حتى بلغ الرسالة أجمل تبليغ، وأدى الأمانة أكمل أداء، فكيف بعد هذا كله يجوز لأحد من الناس أن ينكر شيئاً مما جاء به صلى الله عليه وسلم من كتاب الله العظيم وشرعه الحكيم، ويزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدخل في كتاب الله ما ليس منه!، سبحانك هذا بهتان عظيم، وكفر صريح عامل الله قائله بما يستحق.

الوجه الثالث: أن وظيفة العقول هي التدبر للمنزل، والتعقل لما دل عليه من المعنى بقصد الاستفادة والعمل والاتباع.كما قال الله سبحانه: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، وقال سبحانه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] أما تحكيمها في الإيمان ببعض المنزل ورد بعضه فهو خروج بها عن وظيفتها، وتجاوز لحدودها، وعدوان من فاعل ذلك كما سبق بيانه.

الوجه الرابع: أن العقول الصحيحة الصريحة لا تخالف المنقول الصحيح ولا تضاده لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم لا يأتون بما تحيله العقول الصحيحة، ولكن قد يأتون بما تحار فيه العقول لقصورها وضعف إدراكها، فيجب عليها أن تسلم للصادق الحكيم العليم بكل شيء، خبره وحكمه، وأن تخضع لذلك وتؤمن به.وقصة عصا موسى، وقصة أهل الكهف ليستا مما تحيله العقول؛ لأن قدرة الله سبحانه، عظيمة وشاملة، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وقال سبحانه: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45] ولما سبق من الآيات الكثيرات، في هذا المعنى وقد جعل الله هذه العصا معجزة باهرة لرسوله وكليمه موسى صلى الله عليه وسلم، وأيده بها على عدوه فرعون ليقيم الحجة عليه وعلى قومه، فكانت من الآيات العظيمة التي خرق الله بها العادة من أجل تأييد الحق، وإبطال ما جاء به السحرة من السحر العظيم، الذي سحروا به أعين الناس واسترهبوهم، فلقفت هذه العصا في صورة ثعبان عظيم جميع حبالهم وعصيهم، وعرف السحرة أن هذا شيء من عند الله، لا طاقة لمخلوق به، فآمنوا برب موسى وهارون وخروا لله سجداً، كما قال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف: 117- 122] وقد ثبت بالنقل المعصوم والمشاهد المعلوم، ما هو من جنس قصة عصا موسى أو أعجب منها، فأما النقل المعصوم فهو ما ذكره الله سبحانه في قصة آدم والجان، وأن الله عز وجل خلق آدم من الطين، من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ثم نفخ في آدم من روحه، والطين جماد كالعصا، ولما نفخ الله فيه الروح صار إنساناً عاقلاً، سميعاً بصيراً، وهكذا النار جماد محرق، وقد خلق الله منها الجان، وجعله حياً سميعاً بصيراً، فالذي قدر على ذلك هو الذي جعل في عصا موسى الحياة، حتى صارت بذلك حية تسعى، ولقفت ما ألقاه السحرة من العصي والحبال، وربك على كل شيء قدير، أما الشاهد المعلوم فجميع بني آدم كلهم مخلوقون من ماء مهين، كما قال الله عز وجل في سورة السجدة {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة: 6- 8]، وهذا الماء هو النطفة المكنونة من ماء الرجل وماء المرأة، ثم تكون بعد ذلك علقة، ثم مضغة وهي في أطوارها الثلاثة جماد، ثم ينفخ الله فيها الروح فتكون بعد ذلك خلقاً آخر حياً ذا سمع وبصر وعقل، كما قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12- 14]، ففي خلق آدم وذريته آيات بينات على قدرة الخالق سبحانه، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء، ومن المشاهد المعلوم - أيضا - البيضة، فإنها مخلوق جماد، ثم يجعل الله في ذلك الجماد الذي في داخلها - بالأسباب التي قدرها وعلمها عباده - طائر حياً سميعاً بصيراً، والشواهد من مخلوقاته عز وجل على قدرته العظيمة وحكمته وعلمه الشامل كثيرة لا تحصى، وبما ذكرنا يتضح - لطالب الحق - بطلان هذه الشبهة التي شبه بها القائل في الكلام المنسوب إليه، ويعلم ذلك أنها من أبطل الباطل نقلاً وعقلاً وحساً، ومن الدلائل القطعية على بطلانها أن الله سبحانه قد خلق السماوات والأرض، وخلق جميع المخلوقات الجامدة والمتحركة بقدرته العظيمة وذلك أعظم وأكبر من جعل عصا موسى حية تسعى، كما قال الله سبحانه: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20- 21]، وقال سبحانه: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 77- 83].

وأما قصة أهل الكهف فليس فيها بحمد الله ما تحيله العقول، بل أمرها أسهل وأيسر من قصة العصا، والله سبحانه قد أرانا شاهدا لها في أنفسنا، وذلك بما من به على العباد من النوم الذي قدره عليهم، وجعله رحمة لهم، لما يترتب عليه من إجمامهم من التعب، واستعادة قواهم بعد الكلال والمشقة وضعف القوى، وجعل ذلك من آياته الدالة على قدرته العظيمة، وكمال إحسانه ولطفه بعباده، وجعله دليلاً على الحياة بعد الموت، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام: 60] وقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}[الروم: 23]، وقال عز وجل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الزمر: 42]، وقال تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[القصص: 73]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد أوضح فيها سبحانه أن النوم وفاة ونعمة ورحمة، وآية باهرة على قدرته العظيمة، فالذي قدر على ذلك وجعل ذلك نعمة عامة، ورحمة لجميع عباده، في ليلهم ونهارهم، عند الحاجة إليه، وجعله دليلاً على البعث والنشور والحياة بعد الموت، هو الذي قدر على أهل الكهف النومة الطويلة، لحكم كثيرة، وأسرار عظيمة، وقد بين بعضها في كتابه العزيز حيث قال سبحانه في سورة الكهف: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} [الكهف: 9- 11]، إلى قوله سبحانه: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف: 16]، فذكر سبحانه في هذه الآية أن من الحكمة في إيوائهم إلى الكهف أن ينشر لهم من رحمته ويهيئ لهم من أمرهم مرفقا، لما اعتزلوا قومهم وهجروهم لله، بسبب شركهم وكفرهم، ثم قال عز وجل بعد آيات: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا} [الكهف: 21] الآية، فأبان سبحانه في هذه الآية أن في قصة أهل الكهف وإعثار الناس عليهم، إقامة الحجة على صدق وعد الله بالبعث والنشور وقيام الساعة.وأن الذي يحيي النائم بعد نومه الطويل ووفاته بالنوم هو الذي يحيي العباد بعد موتهم وتفرق أوصالهم، ومعلوم أن البعث والنشور قد أخبر به جميع الأنبياء ودل عليه كتاب الله في مواضع كثيرة، وأجمع عليه المسلمون وغيرهم، ممن آمن بالرسل الماضين، فالذي يقدر على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم هو القادر سبحانه، على إنامة الأحياء ثم بعثهم من باب أولى، فكل واحدة من الوفاتين - وفاة النوم، ووفاة الموت - دليل على الأخرى، وقد بين الله سبحانه في سورة البقرة إحياء الموتى، في الدنيا قبل الآخرة في خمسة مواضع ليقيم الحجة على المنكرين للبعث والنشور، ويوضح لهم سبحانه أنه القادر على إحياء الموتى في الدنيا والآخرة.

الموضع الأول: قوله سبحانه: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[البقرة: 55- 56].

الموضع الثاني: قوله سبحانه: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 72- 73]، والمعنى: أن الله سبحانه أمرهم بضرب القتيل الذي اختلفوا في قاتله، ببعض البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها، فضربوه بجزء منها، فرد الله عليه روحه فتكلم وأخبرهم بقاتله، وبين سبحانه أن في هذه القصة دليلاً على إحيائه الموتى لذوي العقول.

الموضع الثالث: قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243].

الموضع الرابع: قوله سبحانه: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة: 259].

الموضع الخامس: قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260].

ففي هذه المواضع الخمسة من كتاب الله، بيانه سبحانه لعباده إحياءه الموتى قبل يوم القيامة، فالذي قدر على ذلك هو القادر على إطالة مدة النائم ما شاء سبحانه من الوقت، ثم بعثه متى شاء من باب أولى وأحرى؛ لأن إطالة النوم ثم بعث النائم من نومه أسهل بكثير من إحياء الموتى بعد انقطاع مادة الحياة منهم، ومصيرهم جماداً لا إحساس فيه، كما أن ذلك أسهل وأيسر - أيضا - من إحياء الموتى يوم القيامة بعد تفرق أوصالهم، ومصيرهم رفاتاً وتراباً، وقد دلت الدلائل القطعية، والكتب السماوية، والعقول الصحيحة على البعث والنشور، كما جاءت به الرسل ونطق به أفضل الكتب وأفضل الرسل، وأجمع عليه المسلمون، فكيف يبقى - بعد ذلك - شبهة لمن لديه أدنى عقل في قصة أهل الكهف، وقدرة الله سبحانه على ما أخبر به عنهم، فنسأل الله العافية من زيغ القلوب، والضلال بعد الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.













التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

  رد مع اقتباس
قديم 04/05/2014, 12:14 PM   رقم المشاركه : 4
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول عليه الصلاة والسلام

بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن
أو في الرسول عليه الصلاة والسلام (4)



وأما الرابع والخامس من المنكرات الواقعة فهما:
الاعتراض على اعطاء الأنثى في الميراث نصف ما للذكر، والاعتراض على تعدد النساء، والزعم ان اعطاء المرأة - في الميراث - مثل نصف الذكر نقص يجب تداركه، وأن الواجب - في هذا العصر - مساواة المرأة للذكر في الميراث كما ساوته في المدرسة والمعمل والفلاحة والشرطة، أنه ليس من المنطق في هذا العصر ان يفضل الذكر على الأنثى، والزعم بأن هذا المبدأ يجد ما يبرره عندما يكون الرجل قواما على المرأة، حين كانت المرأة في مستوى اجتماعي لا يسمح لها بمساواة الذكر، حين كانت تدفن حية تحتقر، أما اليوم فقد اقتحمت ميدان العمل، وشاركت الرجال في ذلك، وجاء فيه: ان علينا ان نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة، وأن نبادر بتطوير الأحكام التشريعية، بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع، وقد سبق في بعض الجهات ان حجر تعدد الزوجات بالاجتهاد في مفهوم الآية الكريمة، وذكر ان من حق الحكام - بوصفهم أمراء المؤمنين - ان يطوروا الأحكام بحسب تطور الشعب وتطور مفهوم العدل ونمط الحياة وانتهى المقصود من هذا الكلام الذي نشرته صحيفة (الصباح) ولم تشر اليه صحيفة (الشهاب) فيما نقلته من الكلام المذكور.

وفي هذا التصريح الخطير أنواع من الكفر والضلال، منها اتهام الله سبحانه في حكمه، والدعوة الصريحة للحكام الى ان يتلاعبوا بأحكام الشريعة، حسب عقولهم، واجتهادهم، وتطور الشعوب، وأساليب الحياة في نظرهم، ولا شك ان هذا من أبطل الباطل، وفيه تشبه باليهود والنصارى في تلاعبهم بشرائع أنبيائهم، وافترائهم على الله سبحانه ما لم يشرعه، ونسبتهم الى أحكامه - سبحانه - ما ليس منها، ومقتضى ما ذكره هذا الرجل ان الله سبحانه لم يعلم ما تنتهي اليه الشعوب في آخر الزمان، وما ستصل اليه مجتمعاتهم من التطور، فلهذا دعا الحكام الى ان يبادروا لتطوير الأحكام، ومن المعلوم - بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة واجماع الأمة - ان الله سبحانه يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم أحوال عباده في ماضيهم وفي حاضرهم وقت التنزيل، وفيما سيصلون اليه في المستقبل، كما قال عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ان اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}(1) وقال سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا الَهَ الا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}(2) كما ان من المعلوم - أيضا - بالنص والاجماع ان الله سبحانه حكيم عليم، وأنه الرحمن الرحيم لا يظلم ولا يجور، بل هو الحكيم العليم بأحوال عباده واللطيف بهم، وقد شرع لهم من الأحكام ما فيه صلاحهم ورحمتهم واقامة العدل بينهم، في المواريث وغيرها، فهو سبحانه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وهو العالم بأحوال عباده وما يصلحهم في آخر الزمان، كما أنه العالم سبحانه بما يصلحهم في وقت التشريع، ومن زعم خلاف ذلك فقد اتهم الله في حكمته وعلمه، ولو أراد سبحانه ان يقوم الحكام أو العلماء بتطوير الأحكام في وقت من الأوقات، لبين ذلك لعباده في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.

فلما لم يقع شيء من ذلك علم ان ما شرعه من الأحكام يجب الأخذ به والسير عليه، والحكم به في وقت التشريع وفيما يأتي من الزمان الى قيام الساعة، كيف وقد بين الله في كتابه ان الواجب اتباع ما أنزل، والاستمساك به، والحكم بين الناس بذلك، والحذر من الخروج عنه، فقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ الَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}(3) وقال سبحانه: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ الَيْكَ انَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(4) وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ انَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَانَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}(5) وقال تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا الَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ الَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ ان يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ الَيْكَ فَانْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ان يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَانَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(6) أوجب سبحانه في هذه الآيات الكريمات الحكم بما أنزل، والحذر من مخالفته، كما حذر سبحانه من متابعة أهواء الناس في خلاف الحق، وأخبر ان حكمه هو أحسن الأحكام، وأنه لا حكم أحسن منه، وبين ان ما خالف حكمه فهو من حكم الجاهلية، وبين في آية أخرى ان ما خالف حكمه فهو من حكم الطاغوت، كما في قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ الَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ الَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ ان يَتَحَاكَمُوا الَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا ان يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ ان يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَاذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا الَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَالَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}(7) ففي هذا أعظم بيان لمن يؤمن بالله واليوم الآخر ان كل ما خالف ما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الأحكام فهو من حكم الطاغوت، ومن عمل المنافقين، وأنه في غاية البعد عن الهدى، وحكم سبحانه في آيات على ان من لم يحكم بما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم فهو كافر ظالم فاسق، وأخبر تعالى - في موضع آخر من كتابه - أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم، فقال عز وجل في سورة الأحزاب: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ اذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ان يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا}(8) فهل يجوز - بعد هذا البيان العظيم والتحذير الشديد - لحاكم أو عالم أو غيرهما ان يخالف ما أنزل الله وحكم به في المواريث أو غيرها، وهل يجوز له ان يدعو الحكام الى تطوير الأحكام باجتهادهم وآرائهم، كلما تطورت الشعوب والمجتمعات، وهل هذا الا الكفر والضلال والاعتراض على الله سبحانه واتهامه في حكمه، والخروج عن شريعته والتلاعب بدينه.
ما أشنع هذا القول، وما أشد بعده عن الحق، وما أعظم كفر من استجازه أو استحسنه، أو دعا اليه، ثم يقال - أيضا - لهذا الرجل وأمثاله: قد أجمع علماء المسلمين - من عهد الصحابة - رضي الله عنهم الى يومنا هذا - على ان الاجتهاد محله المسائل الفرعية التي لا نص فيها، أما العقيدة والأحكام التي فيها نص صريح من الكتاب، أو السنة الصحيحة، فليست محلا للاجتهاد، بل الواجب على الجميع الأخذ بالنص، وترك ما خالفه، وقد نص العلماء على ذلك في كل مذهب من المذاهب المتبعة، ثم الاجتهاد - حيث جاز - انما يكون من أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذين لهم قدم راسخ في معرفة أصول الأدلة الشرعية وأصول الفقه، والحديث، ولهم باع واسع في معرفة اللغة العربية، وليس ذلك لغيرهم من الحكام.لأنه ليس كل حاكم يكون عالماً يصح منه الاجتهاد، كما أنه ليس كل حاكم - سواء كان ملكاً أو رئيس جمهورية - يسمى أمير المؤمنين، وانما أمير المؤمنين من يحكم بينهم بشرع الله ويلزمهم به، ويمنعهم من مخالفته، هذا هو المعلوم بين علماء الاسلام والمعروف بينهم، فليعلم من يقول بمثل هذا القول هذا الأمر على حقيقته، وليبادر بالتوبة الى الله مما نسب اليه، وليرجع الى طريق الهدى، فالرجوع الى الحق شرف وفضيلة، بل واجب وفريضة، أما التمادي في الباطل فهو ذل وهوان واستكبار عن الحق وسير في ركاب الشيطان، والله سبحانه يتوب على التائبين، ويغفر زلات المذنبين اذا صدقوا في التوبة اليه، كما قال الله سبحانه: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ان يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}(9) الآية، وقال في حق النصارى: {أَفَلا يَتُوبُونَ الَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(10) وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: «الاسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها» والله المستعان، وهو سبحانه ولي التوفيق والهادي الى سواء السبيل.

تنبيه هام:
قد علم بالأدلة الكثيرة - من الكتاب والسنة وباجماع العلماء - ان الله سبحانه حكيم عليم في كل ما شرعه لعباده، كما أنه حكيم عليم في كل ما قضاه وقدره عليهم، ولذلك أكثر في كتابه العزيز من ذكر حكمته وعلمه ليعلم العقلاء من عباده أنه سبحانه عليم حكيم في كل ما قدر وشرع، فتطمئن قلوبهم للايمان بذلك وتنشرح صدورهم للعمل بشريعته وحكمه، ولهذا - لما ذكر سبحانه ميراث الأولاد والأبوين، وتفضيل الذكر على الأنثى - ختم ذلك بقوله سبحانه: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ان اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}(11) فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه العالم بأحوال عباده، أما العباد فلا يدرون أي أقاربهم أقرب نفعا لهم، وبين سبحانه ان تفصيل هذه المواريث صدر عن علم وحكمة، لا عن جهل وعبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ثم ختم ما ذكره من ميراث الزوجين وتفضيل الزوج على الزوجة وما ذكره من ميراث الاخوة من الأم والمساواة بينهم، بقوله سبحانه: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}(12) كما ختم تفضيله الذكر على الأنثى في ميراث الاخوة للأبوين أو لأب بالعلم، فقال: {وَانْ كَانُوا اخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ان تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(13) فبين بذلك أنه فصل هذه المواريث عن علم بأحوال عباده، وما هو لائق بهم، وأنه حليم لا يعاجل من عصى بالعقوبة لعله يندم ويتوب، ثم أخبر - عز وجل - بعد ما ذكر أحكام المواريث ان ذلك من حدوده، وتوعد من تعداها فقال سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}(14).

ثم يقال لهذا الرجل وأمثاله: ان مساواة المرأة بالرجل في كل شيء لا يقره شرع ولا عقل صحيح، لأن الله سبحانه قد فاوت بينهما في الخلقة والعقل وفي أحكام كثيرة، وجعل الرجل أفضل منها، وقواماً عليها، لكونه يتحمل من المشاق والأعمال ما لا تتحمله المرأة - غالبا - ولأن عقله أكمل من عقلها - غالبا - ولذلك جعله الله سبحانه قائماً عليها حتى يصونها، ويحفظها مما يضرها ويدنس عرضها، وجعل شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل، لكونه أكمل عقلاً وحفظاً منها، وخصها سبحانه بأن تكون حرثاً للرجل ومحل الحمل، والولادة والرضاع فهي - في هذه الأحوال - مطالبة بأمور لا يطالب بها الرجل، وهي في نفس الوقت تعجز عن الأعمال التي يقوم بها الرجل، لأن حملها وولادتها وما أوجب الله عليها من العناية بأطفالها وتربيتهم وارضاعهم، عند ضرورتهم الى ارضاعها لهم، يمنعها من الكثير من الأعمال، ولأن الرجل في حاجة شديدة الى بقاء المرأة في البيت لتربية أطفالها، والعناية بشؤون بيتها، واعداد ما يحتاجه زوجها - في الغالب - وليس كل أحد يجد من يقوم مقام زوجته، في العناية بهذه الشؤون، ثم المرأة هي موضع طمع الرجال للاستمتاع بها، وقضاء وطرهم الجنسي منها، فهي في أشد الحاجة الى من يحميها من الرجال ويقف سداً منيعاً دون عبث السفهاء بها.

أما ما ذكر من اختلاطها بالرجال، في المدرسة والمعمل والشرطة وغير ذلك، فليس أمراً جائزاً على اطلاقه، بل فيه تفصيل، وهو أنه لا يجوز لها ذلك الا في حدود الشريعة، حيث تأمن على نفسها وعرضها، وتتمكن من الحجاب الشرعي، وحيث تسلم من خلوة الرجل بها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلا رجل بامرأة الا وكان الشيطان ثالثهما» ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة الا ومعها ذو محرم ولا تسافر امرأة الا مع ذي محرم» ولأن الله سبحانه قد جعل الرجال قوامين على النساء بما فضلهم الله به عليهن في الخلق والخلق والعقل - كما تقدم - وبما ينفقونه من الأموال عليهن، كما قال سبحانه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(15) الآية، فأطلق سبحانه في هذه الآية قيام الرجال على النساء، ولم يخص ذلك بوقت دون وقت، وهو سبحانه يعلم ما يكون في آخر الزمان، فلو كان الحكم يتغير لبين ذلك سبحانه ولم يهمله، أو لبينه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، فلما لم يقع شيء من ذلك علم ان قيام الرجال على النساء حكم مستمر الى يوم القيامة، وقد علم كل من له أدنى بصيرة بأحوال العالم الحاضر، ما قد ترتب على اختلاط المرأة بالرجل في المدرسة والمعمل وغيرهما، من الفساد الكبير، والشر العظيم والعواقب الوخيمة، وكل ذلك يبين فضل ما جاءت به الشريعة، وأن الواجب هو الالتزام بأحكامها في جميع الأحوال، وفي كل زمان ومكان، والحذر من خلافها، ومما ينبغي ان يعلم ان هذا التفضيل انما هو للجنس على الجنس، ولا يلزم من ذلك ان يكون كل فرد من أفراد الرجال أفضل من كل واحدة من أفراد النساء، بل قد يكون بعض النساء، أفضل من بعض الرجال من وجوه كثيرة - كما هو معلوم من النقل والواقع في كل زمن - فعائشة وخديجة وحفصة، وغيرهن من أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن جميعا - أفضل من كثير من الرجال، وهكذا في كل زمان يوجد في النساء من تفوق بعض الرجال، في عملها وعقلها ودينها، ولكن ذلك لا يلزم منه مساواة المرأة للرجل في كل شي، كما لا يلزم منه الدعوة الى مساواتها في الميراث والأحكام، وقد سبق فيما ذكرنا من الأدلة عند الكلام على قصة عصا موسى وأهل الكهف، ان الواجب على جميع المكلفين هو الايمان بالمنزل، والخضوع له والتصديق به، والعمل بمقتضاه، وأنه لا يجوز رده أو بعضه، أو التكذيب بشيء منه، لأن الله سبحانه هو أصدق قيلاً من خلقه، وهو العالم بأحوال عباده وما يصلحهم، ولأنه سبحانه أمر باتباع المنزل، ولم يجعل لعباده الخيرة في رد شيء منه، ولأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو أصدق الخلق وأكملهم عقلاً وأزكاهم نفساً، وهو الأمين على وحيه سبحانه، وقد أخبر - عز وجل - أنه لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى، وقد بلغ كلام ربه كما أنزل، بلغ شريعته كما أمر بذلك فلا يجوز لأحد بعد ذلك مخالفة المنزل، أو تغيير المشروع برأي أو اجتهاد. وقد أجمع العلماء كافة على أنه لا يجوز لأحد التكذيب بشيء مما أنزل الله أو دفعه، وعدم الرضى به أو العدول عما شرع، وذكروا ان ذلك كفر صريح، وردة عن الاسلام، لما سبق من الأدلة، ولقوله سبحانه في هذا المعنى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}(16) وقد سبق ما نقله الامام الكبير اسحاق بن راهويه، والقاضي عياض بن موسى، وشيخ الاسلام ابن تيمية - رحمهم الله - من اجماع العلماء على ما ذكرنا فراجعه تجد ما يشفي ويكفي.

هوامش:

- الطلاق الآية 12.
2 - الحشر الآية 22.
3 - الأعراف الآية 3.
4 - الزخرف 43.
5 - الجاثية الآيتان 18 - 19.
6 - المائدة الآيات 48 - 50.
7 - النساء الآيتان 60 - 61.
8 - الأحزاب الآية 36.
9 - الأنفال الآية 38.
10 - المائدة الآية 74.
11 - النساء الآية 11.
12 - النساء الآية 12.
13 - النساء الآية 176.
14 - النساء الآيتان 13 - 14.
15 - النساء الآية 34.
16 - محمد الآية 9.



سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز- رحمه الله-



جريدة الوطن (الكويت)
يناير - 2014












التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

  رد مع اقتباس
قديم 18/05/2014, 09:23 AM   رقم المشاركه : 5
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول عليه الصلاة والسلام

بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول عليه الصلاة والسلام (5)


وأما الاعتراض على تعدد الزوجات وتأييد الحجر على بعض الناس بالجمع بين زوجتين فأكثر، والزعم بأنه فعل ذلك بالاجتهاد في مفهوم قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَانْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}«1) الآية،
فجوابه ان يقال: هذا من الغلط الكبير، والجهل العظيم: لأنه ليس لأحد من الناس ان يفسر كتاب الله بما يخالف ما فسره به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أو فسره به أصحابه رضي الله عنهم أو أجمع عليه المسلمون، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس بتفسير كتاب الله، وأنصحهم لله ولعباده، وقد أباح الجمع لنفسه ولأمته، وأمر بالعدل بين النساء، وحذر الرجال من الميل، وهكذا أصحابه رضي الله عنهم هم أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير كتاب الله عز وجل، كما أنهم أعلم الناس بسنته، وهم أنصح الناس للناس بعد الأنبياء، ولم يقل أحد منهم بتحريم الجمع، فكيف يجوز - بعد ذلك - لحاكم أو عالم أو أي شخص مهما كان ان يقدم على خلافهم، وأن يقول على الله خلاف ما علموه من شرع الله وأجمع عليه العلماء بعدهم، هذا من أبطل الباطل، ومن أقبح الكفر والضلال، ومن أعظم الجرأة على كتاب الله وعلى أحكام شريعته بغير حق، ثم ان من تأمل ما شرعه الله سبحانه، من اباحة التعدد، علم ان في ذلك مصالح كثيرة، للرجال والنساء وللمجتمع نفسه - كما سيأتي بيان ذلك ان شاء الله - وعلم أيضا ان ذلك من محاسن الشريعة الاسلامية التي بعث الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم الى الناس كافة، وجعلها مشتملة على ما فيه صلاحهم وسعادتهم في المعاش والمعاد، واتضح له من ذلك - أيضا - ان اباحة التعدد من كمال احسان الله لعباده ولطفه بهم، وله فيه الحكمة البالغة لمن تدبر هذا المقام، وعقل عن الله شرعه وأحكامه، وما ذلك الا لأن المرأة عرضة لأشياء كثيرة، منها المرض والعقم وغير ذلك، فلو حرم التعدد لكان الزوج بين أمرين، اذا كانت زوجته عاقراً أو كبيرة السن، أو قد طال بها المرض وهو في حاجة الى من يعفه ويصونه ويعينه على حاجاته، أو في حاجة الى الولد أو غير ذلك، فاما ان يطلقها - وذلك مضرة عليه وعليها - واما ان يبقيها في عصمته فيحصل له بذلك الضرر والتعب الكثير، والتعرض لما حرم الله من الفاحشة، وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على المتأمل، وكلا الأمرين شر لا يرضى بهما عاقل، وقد يكون الرجل - أيضا - لا تعفه المرأة الواحدة فيحتاج الى ثانية أو أكثر، ليعف نفسه عما حرم الله، وقد تكون المرأة التي لديه قليلة النسل، وان لم تكن عاقراً فيحتاج الى زوجة ثانية أو أكثر لطلب تكثير النسل الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم ورغب فيه الأمة، وقد تكون المرأة عاجزة عن الكسب وليس لها من يقوم عليها ويصونها فتحتاج الى زوج يقوم عليها ويعفها، الى غير ذلك من المصالح العظيمة للرجل والمرأة وللمجتمع نفسه في تعدد الزوجات، وقد تكثر النساء بسبب الحرب أو غيرها، فيقل من يقوم عليهن فيحتجن الى زوج يعفهن ويرعى مصالحهن ويحصل لهن بسببه الولد الشرعي، وقد علمت - مما ذكرنا سابقا - ان الله سبحانه، هو الحكيم العليم في كل ما قضاه وقدره، فلا يجوز لأحد - كائنا من كان - ان يعترض عليه في حكمه، أو يتهمه في شرعه، كما أنه لا يجوز لأحد ان يزعم ان غير حكم الله أحسن من حكمه، أو ان غير هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من هديه، كما قال الله عز وجل: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(2) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبه: «أما بعد فان خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة.وقد كان بعض أهل الجاهلية يجمعون بين العدد الكثير من النساء، فجاء الاسلام وقصرهم على أربع، كما في قصة غيلان بن سلمة رضي الله عنه فانه أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ان الله سبحانه أباح لنبييه الكريمين داود وسليمان عليهما السلام - أكثر من أربع، فجاءت الشريعة الاسلامية المحمدية الكاملة العامة لجميع البشر على يد أفضل الخلق وخاتم الرسل - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام - بأمر وسط يجمع المصالح كلها، وهو اباحة الجمع بين أربع من النساء، ومنع ما زاد على ذلك، وقد أجمع العلماء - رحمهم الله - على اباحة الجمع بين أربع - كما تقدم - وأجمعوا - أيضا - على تحريم ما زاد على ذلك، وقد شذ عنهم في جواز الزيادة على ذلك من لا يعتد بخلافه، ما عدا النبي صلى الله عليه وسلم فان الله خصه بخصائص، منها جواز الجمع بين تسع نسوة، لأسباب وحكم كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، ومن تأمل حال من أنكر التعدد، كالنصارى وأشباههم علم من واقع الكثير منهم أنهم وقعوا فيما حرم الله من الزنا، واتخذوا الخدينات الكثيرات، فاعتاضوا الحرام عن الحلال، والخبيث عن الطيب، وشابهوا من قال الله فيهم: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}(3) ومعلوم ان الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس بتفسير كتاب الله، وقد فسر قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}(4) بأن المراد من ذلك اباحة الجمع بين أربع من النساء فأقل، دون ما زاد عن ذلك، وهكذا أصحابه رضي الله عنهم لم يحفظ ان أحداً منهم أنكر الجمع بين أربع أو نكح أكثر من أربع، وهم أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير كتاب الله، كما أنهم أعلم الناس بسنته صلى الله عليه وسلم كما سبق بيانه، وفي ذلك كفاية ومقنع لطالب الحق، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة الا به.


وأما المنكر السادس من المنكرات الستة التي ذكرت، وهو الزعم ان المسلمين في اكثارهم من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألهوه بذلك، فجوابه ان هذا ليس من التأليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم والعبادة له، بل ذلك عبادة لله وحده، وامتثال لأمره عز وجل حيث قال في سورة الأحزاب: {انَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(5) فقد أخبر سبحانه أنه وملائكته يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فدل ذلك على شرعية الاكثار من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك من أفضل القربات، وقد أجمع علماء الاسلام على ذلك وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بذلك ورغب فيه فقال: «اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فانه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأرجو ان أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة»، وفي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن كعب ابن عجرة رضي الله عنه ان الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا يا رسول الله أمرنا الله ان نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والصلاة من الله سبحانه معناها: الثناء على عبده في الملأ الأعلى، بذكر صفاته الحميدة، وأعماله الجليلة، ومن العباد طلبهم ذلك من الله سبحانه، ويراد بالصلاة - أيضا - الثناء من الله سبحانه على عباده ورحمته اياهم، كما في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ الَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيْماً}(6) وهذه المسألة من أوضح المسائل لصغار طلبة العلم وعامة المسلمين، فكيف خفي هذا على هذا القائل؟ فالله المستعان.

فان قيل: اذا كان الاكثار من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ليس تأليها له، فما هو التأليه للرسول صلى الله عليه وسلم والعبادة له؟،
قلنا: ان التأليه للرسول صلى الله عليه وسلم ولكثير ممن يسمون بالأولياء وغيرهم واقع من كثير من الجهال، ومنتشر في أنحاء الأرض، يعلم ذلك من خبر واقع الناس، وعرف دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، وخلق الثقلين من أجله، وهذا التأليه الذي وقع من كثير من الجهال، هو صرف بعض العبادة للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره من المخلوقين، كدعائه والاستغاثة به، وطلبه المدد والشفاء للمرضى، والنصر على الأعداء، ونحو ذلك من أنواع العبادة، والله سبحانه أوجب على عباده ان يخصوه بالعبادة، ونهاهم عن الشرك به، وبعث الرسل وأنزل الكتب لبيانها وبيان ما يضادها، كما قال عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْانْسَ الا لِيَعْبُدُونِ}(7) وقال سبحانه: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلا تَعْبُدُوا الا اللَّهَ}(8) الآية، وقال عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ان اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}(9) وقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا الا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}(10) والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله سبحانه هو الذي يشفي المرضى، وينصر على الأعداء ويكشف الكروب ويجيب المضطر، وينزل المدد على عباده - اذا لجئوا اليه واستغاثوا به - كما قال سبحانه: {اذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ الا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ الا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ان اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(11)وقال سبحانه: {انْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(12)وقال عز وجل: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ اذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}(13) وقال سبحانه {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ان الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(14).

وقد عرف المشركون ذلك في جاهليتهم، فكانوا يشركون في حال الرخاء، وأما في حال الشدائد فيخلصون لله العبادة، كما قال عز وجل: {فَاذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ الَى الْبَرِّ اذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}(15) كما اعترفوا - أيضا - ان الله سبحانه هو الخالق الرزاق، النافع، الضار، المدبر لأمور العباد، وأنهم ما عبدوا غيره - من الأنبياء، والأولياء والملائكة والجن والأصنام والأوثان - الا ليشفعوا لهم عند الله، وليقربوهم لديه زلفى، كما ذكر الله عنهم ذلك في كتابه المبين حيث قال عز وجل في سورة يونس: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}(16) الآية، وقال في سورة الزمر: {انَّا أَنْزَلْنَا الَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعبدالله مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ الا لِيُقَرِّبُونَا الَى اللَّهِ زُلْفَى ان اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ان اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}(17).

ففي هذه الآيات وغيرها من الآيات الكثيرة، الدلالة الصريحة على ان الله سبحانه هو الاله الحق، المستحق للعبادة، وأنه لا يجوز تأليه غيره ولا صرف شيء من ذلك لسواه، كما قال عز وجل: {وَالَهُكُمْ الَهٌ وَاحِدٌ لا الَهَ الا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}(18)وقال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}(19).

وقد أخبر في غير موضع من كتابه، أنه حرم الشرك على عباده وأنه لا يغفر لمن لقيه به، كما أخبر ان صرف شيء من العبادة لغيره شرك به وعبادة لسواه، كما قال سبحانه: {انَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ ان يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا}(20) وقال عز وجل في سورة المائدة: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا ان اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي اسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ انَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}(21) وقال تعالى {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ان تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}(22).

فبين سبحانه في هذه الآية ان دعاءهم غيره شرك به عز وجل كما أوضح سبحانه ان ذلك من الكفر الأكبر فقال عز وجل: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ الَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَانَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ انَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}(23) وأخبر عز وجل أنه لا أضل ممن دعا غير الله وأن المدعوين من دونه - من الملائكة والأنبياء وغيرهم - يتبرؤون من عابديهم وداعيهم، وأنهم غافلون عن ذلك لا شعور لهم به، فقال سبحانه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ الَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَاذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}(24) وقال سبحانه: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ ايَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ان كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}(25).

والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة، وفيما ذكرناه منها كفاية ودلالة صريحة على ان العبادة حق الله وحده، وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغيره سبحانه، فالواجب على أهل العلم ان يبينوا ذلك للناس، وأن يشرحوا لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، ومن قبله من الرسل، وأن يعلموهم ما جهلوا من ذلك، وأن يحذروهم من الشرك بالله عز وجل، وعلى الحكام ان ينفذوا أمر الله في عباده، ويمنعوهم من عبادة غيره، ومخالفة شريعته، على ما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مستعينين بعلماء الحق على معرفة ما جهلوا من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك عزهم وشرفهم، ونجاتهم في الدنيا والآخرة، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وقال صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»
وفي الأثر المشهور عن عثمان رضي الله عنه وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - أيضا - ان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن
وقال الامام مالك رحمه الله: (لن يصلح آخر هذه الأمة الا ما أصلح أولها)
وهذه الكلمة العظيمة هي قول جميع أهل العلم، والذي صلح به الأولون وصاروا به قادة الناس، وأئمة الهدى وحكام الأرض، هو اتباع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام - ورد ما تنازعوا فيه اليهما، لا الى آراء الناس واجتهاداتهم، ولن يصلح آخرهم الا بهذا الأمر الذي صلح به أولهم، فنسأل الله ان يوفق أئمة المسلمين وعلماءهم لذلك، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يصلح عامة المسلمين، ويمن عليهم بالفقه في الدين، ويولي عليهم خيارهم، انه جواد كريم.

هوامش:

- النساء الآية 3.
2 - المائدة الآية 50.
3 - البقرة الآية 61.
4 - النساء الآية 3.
5 - الأحزاب الآية 56.
6 - الأحزاب الآيات 41 - 43.
7 - الذاريات الآية 56.
8 - هود الآيتان 1 - 2.
9 - النحل الآية 36.
10 - البينة الآية 4.
11 - الأنفال الآيتان 9 - 10.
12 - محمد الآية 7.
13 - النمل الآية 62.
14 - غافر الآية 60.
15 - العنكبوت الآية 65.
16 - يونس الآية 18.
17 - الزمر الآيتان 2 - 3.
18 - البقرة الآية 163.
19 - الحج الآية 62.
20 - النساء الآية 116.
21 - المائدة الآية 72.
22 - فاطر الآيتان 13 - 14.
23 - المؤمنون الآية 117.
24 - الأحقاف الآيتان 5 - 6.
25 - يونس الآيتان 28 - 29.


سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز- رحمه الله-












التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

  رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 02:50 PM

Powered by vBulletin®