أعلان إدارة السرداب

العودة   AL SerdaaB - منهاج السنة السرداب > ~¤§¦ المنتـديات العامـة ¦§¤~ > الـــــتــــوحـــــــــــيـــــــــــــد
المتابعة التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 15/09/2014, 09:28 AM   رقم المشاركه : 11
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: شرح العقيدة السفارينية


ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :

22- وليس هذا النص جزما يعتبر ** في فرقة ألا على أهل الأثر

23- فأثبتوا النصوص بالتنزيه ** من غير تعطيل ولا تشبيه


______________________________________________

الشرح

قوله : ( وليس هذا النص جزما ) ، جزما : عائد على النفي ، وليس متعلقا بقوله ( يعتبر ) ، يعني : بحيث أنه يعتبر ظنا ، والمعنى أن هذا النص جزماً لا يعتبر في فرقة ألا على أهل الأثر . والنص ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( كلها في النار ألا واحدة )) فهذه الواحدة نجزم جزما بأنها هي فرقة أهل الأثر ، والأثر يعني الكتاب والسنة ، لان الدليل أما اثر وإما نظر ، فإن كان الدليل عقليا فهو نظر ، وإن كان الدليل شرعيا فهو اثر .

وأهل الأثر هم الذين اتبعوا الآثار ، فاتبعوا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا لا يتأتى في أي فرقة من الفرق ألا على السلفية وأهل السلف ، أي : الذين التزموا طريق السلف .

وقوله : ( فأثبتوا النصوص بالتنزيه ) : ( أثبتوا ) : الضمير هنا يعود على أهل الأثر ، أثبتوها لفظا ، وأثبتوها عقيدة ، وأثبتوها عملا بمقتضاها ، فالإثبات يتناول ثلاثة أشياء : إثباتها لفظا ، وإثباتها عقيدة ، وإثباتها عملا بمقتضاها ، ثم إثباتها اللفظي يتفرع عليه الإثبات المعنوي فيحسن أن نقول إثباتها لفظها ومعنى ، وإثباتها اعتقادا ، وإثباتها عملا بمقتضاها .

مثال ذلك : من أسماء الله تعالى : السميع

أثبتوا هذا الاسم لفظا ، وأثبتوه معنى أي أنه دال على السمع ، واعتقدوا لله السمع ، واعتقدوا أن الله تعالى متصف بالسمع ، وعملوا بمقتضى ذلك ، وهو أنهم إذا اعتقدوا أن الله يسمع نزهوا ألسنتهم عن قول ما لا يرضاه الله عز وجل ، كما انك - ولله المثل الأعلى - لو كنت تعلم أن عندك رجلا ينقل كلامك إلى الملك فلن تتكلم بما لا يرضاه الملك ، كذلك إذا علمت أن الله يسمع كل قول تقوله فانك إذا كنت مؤمنا بذلك فلن تتكلم بما لا يرضاه الله عز وجل.

ومن أسماء الله تعالى البصير : أثبتوا هذا الاسم لفظا ، وأثبتوه معنى أي : أنه دال على البصر ، وباعتقاد ذلك وليس مجرد العلم ، فليس مجرد العلم كافيا ، بل لابد من عقيدة ، والرابع : العمل بمقتضاه ، ومقتضاه : الإيمان بان الله يرى ، لا افعل شيئا لا يرضاه الله ، ولا أتحرك بأي حركة لا يرضاها الله عز وجل ، لأني أؤمن أن من أسماء الله عز وجل البصير ، وأن البصير متضمن البصر ، واعتقد ذلك بقلبي ، إذا جوارحي لابد أن تعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد .


وسبق أن العلم لا يستلزم العقيدة ، فأبو طالب كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله ، لكن لم ينفعه ؛ لأنه ما اعتقد ولا انقاد .

فقول المؤلف رحمه الله : ( أثبتوا النصوص ) ، نقول أثبتوها لفظا ومعنى واعتقادا وعملا بمقتضاها .

وقوله : ( النصوص ) جمع نص ، والمراد به : الكتاب والسنة ، وقوله : ( بالتنزيه) ، الباء للمصاحبة ؛ يعني أثبتوها إثباتا مصاحبا للتنزيه ، والمراد بالتنزيه : تنزيه الله عز وجل عن كل نقص .

فمثلا يثبتون أن الله قدير ، وأن هذا الاسم متضمن لمعناه وهي القدرة ، ويعتقدون أن الله تعالى قادر بقدرة لا يلحقها نقص ولا يلحقه بها عجز ، ويعملون بمقتضى ذلك ، والعمل بمقتضى ذلك بان يعلموا أنه لو شاء الله عز وجل لأخذهم أخذ عزيز مقتدر إذا خالفوا أمره ، فالإنسان له قدرة ، لك هذه القدرة فيها نقص ؛ لان الإنسان لا يقدر على كل شيء ، أما قدرة الله فليس فيها نقص ،فإن الله على كل شيء قدير .

وهكذا جميع النصوص يثبتونها مع عدم النقص في إثباتها ؛ سمع لا يعتريه صمم ، وبصر لا يعتريه عمى ، وكلام لا يعتريه خرس ولا عي ؛ فكل النقص ينزهون الله سبحانه وتعالى عنه .

قال : ( من غير تعطيل ) يعني أنهم ينزهون الله تعالى تنزيها خاليا عن التعطيل .

والتعطيل : هو تخلية الله سبحانه وتعالى عما يجب له من الأسماء والصفات ؛ لان أصل التعطيل التخلية ، والشاهد على أن التعطيل بمعنى التخلية قوله تعالى : (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ)(الحج: الآية 45) أي مخلاة متروكة ، فالتعطيل معناه تخلية الله عما يجب له من الأسماء والصفات .

ويجوز أن نقول إن التعطيل يعود على النصوص ، فيكون المعنى : تعطيل النصوص عما دلت عليه ، وحينئذ فيكون للتعطيل وجهان : إما تعطيل الخالق أو النصوص ، فإن كان الخالق ؛ فمعنى تعطي الخالق : أن الله تعالى لا يوصف بما وصف به نفسه ، وإن كان من النصوص فتعطيلها أن لا يعمل بها ، ويكون تعطيلها بإنكار دلالتها على الشيء ، فلا يعمل بها ، فيكون مثلا سميعا بلا سمع ، كمن يقول في قوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة:23) أي منتظرة لثواب ربها ، فيعطل النص عما أريد به .

وفي قوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر:22) ، أي : وجاء أمر ربك فهو بهذا قد عطل النص وعطل الله . عطل الله عن مجيئه الحقيقي وعطل النص بان حرفه فعطل معناه المراد به لان المراد بالنص (وجاء ربك) ، أي : جاء الله عز وجل نفسه . فإذا قال : جاء أمر ربك فقد عطل النص عن معناه المراد به .

والذين يحرفون النصوص قالوا على الله بلا علم ، في الإثبات وفي النفي ، فقالوا : إن الله أراد كذا ، وهو لم يرد ، وقالوا : لم يرده ، وهو قد أراده .

ولو قال قائل : كيف تجزمون بأنه أراده ؟ أليس يحتمل أن يكون مراده ما حرفوه إليه ؟

فالجواب : أن الله سبحانه وتعالى يخاطبنا بما تقتضيه عقولنا ، وكلام الله سبحانه وتعالى موجه إلينا ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئا ألا وبينه ، فلو كان المراد غير ظاهره لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا نحن نجزم أن ظاهره مراد ، لأنه لم يرد خلافه عن النبي عليه الصلاة والسلام ، ولو كان المراد خلفه لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولهذا يصح أن نقول : اجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن الله يجيء بنفسه .

فإذا قال قائل : هاتوا لنا حرفا واحدا عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو ابن عباس أو غيرهم أن الله يجيء بنفسه ؟ فنقول : لو كان المراد خلاف ذلك لنقل عنهم ، فلما كانوا يقرؤون هذا صباحا ومساء ولم يرد عنهم ما يخالفه دل على أنهم يقولون به .

فلا حاجة إلى أن نأتي عن الصحابة في كل صفة من الصفات بقول من أقوالهم ، فهذا ليس بلازم ؛ لان الصحابة يقرؤون القرآن ويعرفون معناه ، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال بخلافه ، فكان سكوتهم عن قول خلافه ، أو كان عدم النقل عنهم عن قول خلافه ، دليلا على أنهم قالوا به ، ولهذا يصح أن تقول اجمع الصحابة على أن الله استوى على عرشه حقيقة وانه ينزل إلى السماء الدنيا حقيقة وهكذا ، وليس المراد استوى على عرشه ولا المراد ينزل أمره .

فإذا قال قائل : أين الإجماع ؟

فنقول : إن عدم نقل ما يخالف الظاهر عنهم دليل على أنهم أجروه على ظاهره .

وهذه فائدة تنفعك عند المناظرة لأهل التحريف لان أهل التحريف قد يطالبونك ويقولون : إئت لنا بخبر واحد يدل على أن الصحابة قالوا : إن الله يجيء بنفسه ، أو إن الله ينزل بنفسه ، أو إن الله استوى على العرش بنفسه ، أين الدليل ؟ ، فلو أنك رجعت إلى المسانيد والكتب المؤلفة في هذه الأمور بالإسناد قد لا تجد ، لكن نقول : إن عدم نقل ما يخالف ظاهر القرآن عنهم يدل على أنهم قالوا بظاهر القرآن ، لان القرآن عربي ، وهم يتلونه صباحا ومساء ، ويعتقدونه بمقتضى دلالة ذلك اللسان العربي ، فلو نقل الإنسان إجماع الصحابة في ذلك لكان نقله للإجماع صحيحا .

فالحاصل أن كلا المعنيين متلازمان يعني أنه إذا عطل الله عما يجب له فقد عطل النصوص عما دلت عليه.

فأهل التعطيل يعطلون النصوص عن مدلولها ، ويخلون الله عز وجل عما يتصف به مما تقتضيه هذه النصوص ، وأهل السنة يتبرؤون من ذلك .

وإنما قال المؤلف رحمه الله : ( بالتنزيه من غير تعطيل ) لان المعطلة الذين أنكروا صفات الله ، أو أنكروا بعضها ، أو أنكروا الأسماء والصفات ، أيضا يقولون : أنهم ينزهون الله ، ويدعون أنهم منزهون لله ، فيقولون : إن إثبات هذه الصفات يقتضي التشبيه ، والله منزه عن المشابهة ، فإذا يجب أن ننكر هذه الصفات ، والغالون قالوا : يجب أن ننكر حتى الأسماء ، لان إثبات الأسماء على زعمهم ينافي تنزيه الله سبحانه وتعالى ، حيث أنه يقتضي التشبيه عندهم .

أما أهل السنة فينزهون الله عن النقص ، ولا يعطلون النصوص الواردة في إثبات الصفات.

قال : ( ولا تشبيه ) يعني أنهم لا يشبهون الله بخلقه ، ومراد المؤلف رحمه الله بالتشبيه : التمثيل ، ولهذا لو عبر به لكان أولى ، فلو عبر بدلا عن قوله : ( ولا تشبيه ) بقوله : ولا تمثيل ، لكان أولى من وجوه ثلاثة :

الوجه الأول : أن الذي جاء به القرآن والسنة نفي التمثيل لا نفي التشبيه ، فليس في القرآن ولا في السنة نفي التشبيه وإنما الوارد نفي التمثيل ، كما قال الله تعالى : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(مريم: الآية 65) وقوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: الآية 11)

وقال تعالى فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ)(النحل: الآية 74) ومعلوم أن المحافظة على لفظ النص لا سيما في هذه الأمور الدقيقة أولى من الإتيان بلفظ آخر ، ولو ادعى من أتى به أنه مرادف للفظ الذي جاء به النص .


الوجه الثاني : أن نفي التشبيه فيه إجمال ، لأنه إن أراد نفي التشبيه من كل وجه فهذا غلط ، وإن أراد نفي التشبيه في كل الصفات فهذا هو نفي التمثيل ، ومع ذلك أنه إن أراد نفي التشبيه من كل وجه ؛ أي أنه لا يشابه الخلق في أي شيء ، وفي أي وجه من الوجوه فهذا خطأ ، وإن أراد نفي التشبيه ، يعني نفي أنه مشابه للخلق من كل وجه وفي كل معنى فهذا يكفي عنه التمثيل ، لان هذا هو نفي التمثيل ، وهو كاف عنه .

أما الأول : وهو إن أراد نفي المشابهة من كل وجه ، يعني أنه لا يشبههم بأي وجه من الوجوه فهذا باطل ؛ لأنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه من بعض الوجوه ، واشتراك في بعض المعاني ، فمثلا الحياة يتصف بها الخالق ويتصف بها المخلوق ، فبينهما تشابه من حيث أصل الصفة وهي الحياة ، ولولا هذا التشابه المشترك بين صفات الله وصفات المخلوق ما عرفنا معاني صفات الله فلابد أن يكون هناك اشتراك وتشابه من بعض الوجوه.

كذلك لله علم وللمخلوق علم ، وبين علم الله وعلم المخلوق تشابه من حيث أصل المعنى فالمخلوق يدرك ما يعلمه والخالق عز وجل كذلك ، فهناك اشتراك في أصل المعنى .

كذلك للمخلوق بصر وللخالق بصر ، فالبصر للخالق والمخلوق مشتركان في أصل الرؤية ، فبينهما تشابه من هذا الوجه لكنهما لا يتماثلان ؛لان المماثلة هي التساوي في كل وجه، والمشابهة : الاشتراك ولو في بعض الوجوه .


الوجه الثالث : أن نفي التشبيه صار عند كثير من الناس يعني نفي الصفات مطلقا ، وذلك عند من يقول : إن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه ، فإذا قلنا : من غير تشبيه ، صار معنى هذا الكلام عندهم أي من غير إثبات صفة ، فيوهم هذا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب أهل التعطيل ؛ لأنهم يرون أن معنى نفي التشبيه هو نفي الصفات ، حيث يزعمون أن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه ، فيصير قولنا من غير تشبيه مساويا لقولنا من غير إثبات صفة ، وهذه المسألة تحتاج إلى الانتباه لأهميتها ، فإن أكثر ما يقرأ في الكتب في هذا الباب : من غير تشبيه ، وهذا التعبير كما علم فيه نقص ، والأولى أن يعبر عنه من غير تمثيل للوجوه الثلاثة التي ذكرناها:

الأول : أن نفي التمثيل هو الذي ورد به النص ، بخلاف لفظ نفي التشبيه ، فإنه لا في القرآن ولا في السنة .

قال تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى: الآية 11) ولم يقل ليس كشبهه شيء .

الثاني : (( من غير تشبيه ) فيه إجمال ، فإن أراد من غير مشاركة في أي نوع من المشاركة فهذا خطأ ، وإن أراد من غير مشابهة يعني من غير مساواة في كل شيء فهذا صحيح ، لكن يغني عنه لفظ نفي التمثيل ، وهو أوضح منه .

الثالث : أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات مطلقا عند من يرى أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه .

فالحاصل أن المؤلف رحمه الله تابع في قوله ولا تشبيه عبارة كثير ممن كتبوا أو تكلموا في هذا الباب ، والصواب أن نقول من غير تمثيل ، ولهذا عبر شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية بذلك ، فقال : (( من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ) ، وعند المناظرة على العقيدة عندما جلس له مناظره عند الوالي ، فقال له : لماذا لم تقل : ولا تشبيه ؟ ، قال : (( لان التمثيل هو الذي ورد به القرآن ، فعبرت باللفظ الذي جاء به القرآن ) ، ولم يذكر الوجهين الآخرين ، لكن ذكر احدهما في العقيدة التدمرية -وهو أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات مطلقاً- .













التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

 
قديم 23/09/2014, 08:41 AM   رقم المشاركه : 12
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: شرح العقيدة السفارينية

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :

24- فكل ما جاء من الآيات ** أو صح في الأخبار عن ثقات

25- من الأحاديث نمره كما ** قد جاء فاسمع من نظامي واعلما

______________________________________________

الشرح

قوله : ( فكل ما جاء من الآيات ) ، ( فكل ما ) ليست ( كلما ) التي هي أداة تكرار ، بل (كل ) هنا مضافة إلى ( ما) الموصولة ؛ يعني كل الذي جاء من الآيات .

وهنا قال المؤلف : ( فكل ما جاء من الآيات ) ولم يقل : وكل ما جاء في الأخبار، وذلك لان القرآن كله صحيح فهو محفوظ ، أما السنة ففيها الموضوع وفيها الضعيف ، ولهذا قيد فقال : ( أو صح في الأخبار ).

هذه قاعدة ذكرها المؤلف رحمه الله ، أن كل ما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث فإننا نمره كما قد جاء ، وهذا هو المروي عن السلف ، أنهم يقولون في آيات الصفات وأحاديثها : (( أمروها كما جاءت بلا كيف ).

فالواجب علينا أن نمرها كما جاءت وهذا الإمرار ليس إمرارا لفظيا فقط بل هو إمرار لفظي معنوي ، أما إمرارها لفا فقط فإنه مذهب باطل ، ويسمى مذهب أهل التفويض أو المفوضة ، وهو كما قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( من شر أقوال أهل البدع والإلحاد ) ؛ لأنهم بهذا المذهب ارتكبوا خطأ عظيما ، حيث جعلوا المسلمين يجهلون معاني آيات الصفات وأحاديثها ، وهذا خطر عظيم ، إذا كنا متعبدين بألفاظ الأحكام الشرعية كالصلاة والوضوء والتيمم والزكاة والحج ، فكيف لا نتعبد بآيات الصفات حتى نفهم معناها ؟!

فالمهم إننا نمره كما جاء ، ومن المعلوم أنه لفظ جاء لمعنى ، فالواجب إثبات هذا اللفظ ومعناه المراد به .

فإذا قال قائل : هل المعنى المراد هو الظاهر أو الاحتمال المرجوح ؟

فالجواب : أنه هو الظاهر ؛ لان صرف اللفظ عن ظاهره إلى احتمال مرجوح يحتاج إلى دليل ، وهذا الدليل إذا لم يكن معلوما لنا كان ادعاؤه من أتباع الهوى والتحكم على الله عز وجل .

وعلى هذا فنمر آيات الصفات الفعلية ، وآيات الصفات الخبرية ، وآيات الصفات الذاتية ،- نمرها - على ما هي عليه ، فالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والقوة وما أشبه ذلك من الصفات الذاتية ، نمرها كما جاءت ، ونقول : إن لله حياة وعلما وقدرة وسمعا وبصرا وقوة وعزة : إلى آخره ، ولا يجوز أن نصرفها عن ظاهرها ؛ لان صرفها عن ظاهرها خروج بها عما يراد بها .

كذلك الصفات الفعلية نمرها كما جاءت ، مثل المجيء والإتيان ، والغضب ، والسخط ، والرضا ، والفرح ، والعجب ، وغير ذلك من الصفات الفعلية ، فنقول : المراد بالرضا المعنى الحقيقي ، وبالسخط المعنى الحقيقي ، وبالفرح المعنى الحقيقي ، وبالكراهة المعنى الحقيقي ، وهكذا لأنها ألفاظ جاءت لمعناها ، فإذا صرفناها عن معناها الظاهر صار ذلك من باب أتباع الهوى لا الهدى .


والصفات الخبرية : هي التي تدل على مسمى هو أبعاص لنا وأجزاء ، مثل : الوجه ، واليد ، والقدم ، والأصابع ، والعين ، فكل هذه ألفاظ تدل على مسميات هي بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء ، أما بالنسبة لله فلا نقول إنها أبعاض وأجزاء ؛ لان البعض والجزء ما يمكن انفصال بعضه عن بعض ، وهذا بالنسبة لله عز وجل مستحيل ، ولهذا لم نر أحداً يقول : إن يد الله بعض منه أو جزء منه ، أو إن وجهه جزء منه أو بعض منه ، فلا يقال هذا في حق الله عز وجل ؛ لان البعض والجزء ما صح انفصاله عن الأصل ، وهذا بالنسبة لله أمر مستحيل ، إذا نسميها يدا ووجها وعينا وأصبعا وقدما ، وما أشبه ذلك ، لكننا لا نسميها بعضا أو جزءا .

وعكس طريق السلف في هذا الباب : الذين أجروها على خلاف ظاهرها ، أو أجروها على ظاهرها وجعلوها من جنس صفات المخلوقين ، أو لم يجروها على ظاهرها ولا على غير ظاهرها ، فسكتوا .

فمثلا : الذين أجروها على ظاهرها وجعلوها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء الممثلة ، وحقيقة الأمر أنهم لم يجروها على ظاهرها ، وإن ادعوا أن هذا هو الظاهر فهم كاذبون .

ولنضرب لذلك مثلا باليد ، فإذا قالوا إن ظاهر اليد أن تكون مثل أيدي المخلوقين ، قلنا : كذبتم ليس هذا ظاهرها ؛ لان هذه اليد أضيفت إلى الله ، فلا يمكن أن يكون المضاف إلى الله كالمضاف للمخلوقين ، بل المضاف إلى الله يكون لائقا بالله عز وجل ، ووصف كل موصوف يناسبه .

أرأيت يد الإنسان ، هل تفهم من هذه اليد المضافة إلى الإنسان إنها مثل اليد المضافة إلى الذرة ؟! أبدا ، ولا يمكن أن يفهم هذا إلا من فيه هوس ، فكذلك اليد المضافة إلى الله لا يمكن أن يكون مدلولها كاليد المضافة إلى الإنسان ؛ لأنها يد أضيفت إلى موصوف بها ، وصفة كل موصوف تليق به وتناسبه بحسبه ، فقولكم : إن ظاهر النصوص هو التمثيل ، وأننا اسعد بإتباع ظواهر النصوص ممن نفي التمثيل ، فنقول إن قولكم هذا ليس بصواب .


والذين نفوا هذا الظاهر ، وقالوا : إن المراد باليد القوة أو النعمة ، وقالوا : نحن أسعد بتنزيه الله منكم ، نقول لهم : كذبتم ، لستم أسعد بتنزيه الله منا ، بل انتم وصفتم الله تعالى وكلامه بالنقائص ، حيث زعمتم أن الكتاب لا يراد به ظاهره ، بل يراد به معنى يخالف الظاهر تتصرفون فيه انتم بعقولكم كما تشاءون ، ولذلك نجدكم متفرقين في المعنى المراد بهذا اللفظ ؛ منكم من يقول : المراد كذا ؛ ومنكم من يقول : المراد كذا ، وكل إنسان يأتي بما أراد مما يراه عقليات وهي وهميات وليست عقليات .

إذا نقول : إن هؤلاء الذين قالوا : إن المراد بها خلاف الظاهر ، هم أيضا لم يتبعوا ما يلزمهم من إجرائها على ظاهرها .

أما ظاهرها فهو المعنى اللائق بالله حقيقة دون المجاز ، فالمراد باليد يد حقيقية تأخذ وتتصرف وتقبض وتبسط ، وكذلك أيضا المراد بالأصابع أصابع حقيقية يأخذ الله بها ما أراد من خلقه ، وكذلك المراد بالعين ، وهكذا بقية الصفات .

فنحن نمرها كما جاء لفظا ومعنى ، لأنها ألفاظ جاءت لمعان ، فمن نفي اللفظ فإنه لم يمره ، ومن نفى المعنى فإنه لم يمره ، بل الواجب أن نمرها كما جاءت ، ولا نتعرض بقولنا : كيف ؟ ولم ؟ لان هذا التعرض من سبيل أهل البدع بدليل قول الإمام مالك رحمه الله عندما سئل عن الاستواء كيف استوى ؟ قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، ولا أراك إلا رجل سوء ، فأمر به فأخرج .

فقال : (( والسؤال عنه بدعة )) ، فلا يجوز أبداً أن نسأل عن صفة من صفات الله فنقول : كيف ؟ ، ولا يجوز أيضا أن نقول : إذا صح هذا لزم منه هذا مما يمتنع على الله ، يعني مثل الذين يقولون : إذا صح نزوله إلى السماء الدنيا لزم أن تكون السماء الثانية فوقه ، فهذا حرام ولا يجوز ، ولا يمكن أن يقدر هذا التقدير من عرف الله وقدره قدره ، بل نحن موقفنا في هذه الأمور هو التسليم ، وعدم التعرض لأي سؤال مثل هذه الأسئلة .

أما لو قال : ما معنى النزول ؟ أو ما معنى المجيء ؟ أو ما معنى الضحك ؟ فهذا لا باس أن يسأل عن المعنى حتى يبين له معنى الاستواء مثلا ، لكن كيف استوى ؟ كيف ينزل ؟ كيف يجيء ؟ كيف عينه ؟ كيف يده ؟ كيف قدمه ؟ فهذا لا يجوز .

فالحاصل أن موقف أهل السنة والجماعة من الآيات والأحاديث الواردة في صفات الله عز وجل أن يمروها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ، فهي ألفاظ جاءت لمعنى وهم يمرون اللفظ والمعنى ، وقلنا هذا احترازا من مذهب المفوضة الذين يقولون : نمر لفظها ، دون أن يتعرضوا لمعناها .

فمثلا (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) : نثبت أن الله عز وجل مستو على العرش بدون كيف ، ولا نتعرض لمعناها ، بل المعنى معلوم ولكن بدون التكييف ، والذين يقرؤون اللفظ ولا يتعرضون للمعنى هم أهل التفويض . أما نحن فنقول : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) نمره كما جاء وهو لفظ جاء لمعنى ، والمعنى هو أنه عز وجل علا على عرشه علوا يليق بجلاله وعظمته ، ولا نكيفه ولا نمثله .

وكذلك أثبت الله عز وجل عن نفسه أنه يجيء ، فقال : (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر:22) نثبتها ونقول : إن الله عز وجل يجيء حقا مجيئا يليق بجلاله سبحانه وتعالى ، ولا نقول كيف ؟ بل نثبت المعنى .

وأما أهل التفويض فيقولون : نقرأ (وَجَاءَ رَبُّكَ) ولا نتعرض للمعنى .
















التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

 
قديم 23/09/2014, 08:43 AM   رقم المشاركه : 13
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: شرح العقيدة السفارينية


ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :

26- ولا نرد ذاك بالعقول ** لقول مفتر به جهول

27- فعقدنا الإثبات يا خليلي ** من غير تعطيل ولا تمثيل


______________________________________________

الشرح

قوله : ( ولا نرد ذاك بالعقول) ، ولا نرد ذاك : أي ما جاءت به النصوص من الآيات والأحاديث لا نرده بالعقول ، وإنما قال ذلك إشارة إلى قول من يقول : إن المرجع في إثبات الصفات أو نفيها هو العقل ، فما اقتضى العقل ثبوته أثبتناه وما اقتضى العقل نفيه نفيناه ، سواء كان موجودا في القرآن والسنة أم غير موجود ، وما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه فأما أن نتوقف فيه ، وإما أن ننفيه ، وأكثرهم نفى ذلك .

الأول : ما اقتضى العقل ثبوته فيثبتونه ، سواء كان ثابتا في الكتاب والسنة أم لا .

الثاني : ما اقتضى العقل نفيه فينفونه ، سواء كان ذلك موجودا في الكتاب والسنة أم لا .

الثالث : ما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه . فانقسموا فيه إلى قسمين : قسم نفاه وهم الأكثر ، وقسم توقف فيه ، وقال : لا نثبت ولا ننفي ؛ لان العقل لا يقتضي إثباته ولا نفيه ، فالذين نفوه وهم الأكثر قالوا : لان العقل لم يدل عليه ، وما لم يدل عليه الدليل فالواجب نفيه ، والذين توقفوا فيه قالوا : إن العقل لم يدل على نفيه ولم يدل على إثباته ، فالواجب التوقف .

لكن كل هذه القاعدة قاعدة مبنية على شفا جرف هار ؛ لأنها قاعدة تقتضي تقديم المعقول على المنقول ، والعقل يقتضي تقديم المنقول على المعقول .

وهذا من العجب ؛ أن يقولوا : نحن نبع العقل ، وهم يهدمون العقل بما يدعونه عقلا ؛ لان العقل يقتضي أن هذه الأمور الغيبية نقتصر فيها على الخبر المجرد ، لان العقل لا يمكن أن يتحكم فيها أو يدركها ، فكان مقتضى العقل الصريح أن يرجع فيها إلى النقل فالخبر المحض الذي لا تدركه بعقلك كيف ترجع إلى عقلك فيه ؟!

فمثلا : لو رجعت إلى عقلك بالنسبة إلى حال شخص من البشر ، فلا يمكن أن تحكم بعقلك على أحواله ، ولكن تعتمد في الحكم على أحواله على ما نقله عن نفسه أو ما نقل عنه بخبر الصادق ، أما أن تحكم عليه بعقلك فهذا غير صحيح ؛ فكل له تصرف يختص به ، فأنت ربما في بيتك تقوم وتفطر وتروح لعملك ، وربما هو يقوم ولا يفطر بل يروح إلى العمل قبل أن يفطر ، وبذلك يختلف عنك ، هذا وهو بشر ، حاله قريبة من حالك ، كيف بالله عز وجل ؟! كيف تحكم على الله بعقلك والعقل يقتضي أن تعتمد في ذلك على النقل ، لان هذا لا يثبت إلا بالخبر المحض .

ولهذا نقول : انتم يا أصحاب العقول هدمتم العقول ؛ لأنكم تقولون : العقل يقتضي أن لا يوصف الله بذلك ، وهو قد وصف به نفسه ، وهو خبر عن أمر لا يدرك بالعقل فالواجب فيه الاعتماد على النقل ، وتقولون هذا ثابت لله ، والله لم يثبته لنفسه ، وهذا أيضا إثبات للعقل بما ينافي العقل ، لان الذي يقتضيه العقل أن ما لم يبلغك خبره في أمر غائب عنك أن تتوقف فيه ، وأما أن تثبته مع نفي الله له ، فهذا زيادة في العدوان .


فالحاصل أن قول المؤلف رحمه الله ( لا نرد ذاك بالعقول ) يشير به إلى رد قول من يقول : إن المرجع في صفات الله إلى العقل ، ونقول هلم :

أولا : أن هذه القاعدة باطلة من أساسها لأنها تقتضي تقديم المعقول على المنقول ، والعقل يقتضي تقديم المنقول على المعقول .

ثانيا : أن هذه القاعدة تبطل الاعتماد على العقل ؛ لان العقل يقتضي أن ما طريقه الخبر المجرد يعتمد فيه على النقل وعلى الخبر ما دامت العقول لا تدركه ، فالواجب أن يعتمد على ما اخبر الله به عن نفسه أو أخبرت به عنه رسله .

ثالثا : أن نقول : تحكيم العقل في هذا الباب تحكيم من لا يحيط بالحكم علما ؛ وذلك لان ما يصف الله به نفسه لا يمكن للعقل أن يدركه ، فإذا كان الله يقول : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ )(الأنعام: الآية 103) ، والإدراك بالبصر إدراك بمحسوس ، فكيف تدركه العقول ؟ ! العقول لا تدركه كنه حقيقة صفات الله عز وجل أبداً ، قال تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: الآية 11) .

رابعا أن هذه العقول التي زعمتم إنها مرجع ومحكم في صفات الله عقول متناقضة ؛ لان هؤلاء العقلاء - كما يدعون - يتناقضون ، فنجد بعضهم يقرر وجوب ذلك عقلا ، والآخر يقرر امتناع ذلك عقلا ، وفرق واسع شاسع بين الواجب والممتنع ، وكل منهم يدعي أنه من ذوي العقول ، هذا يقول : هذا ممتنع على الله ولا يجوز وصفه به ، وهذا يقول : هذا واجب لله فيجب وصفه به ، فأين العقل ؟! وبأي شيء يوزن ما يجب لله تعالى وما يمتنع ؟!وبأي عقل يوزن إن قلنا بعقل زيد ، قال عمرو : ما لكم تتركون عقلي ؟ وإن قلنا بعقل عمرو ، قال زيد : ما لكم تتركون عقلي ؟ فبأي عقل يوزن ؟ فهم متناقضون.

بل إنه كما قال شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من أهل العلم إن الواحد من هؤلاء الذين يحكمون العقل يكون متناقضا ، فيكتب في بعض مصنفاته أن هذا واجب لله ، ويكتب في المصنفات الأخرى أنه ممتنع على الله .


خامسا : أن في الاعتماد على العقل ارتكاب محظورين عظيمين :

الأول : أن نقول على الله ما لا نعلم .

الثاني : أن ننفي عن الله ما أثبته لنفسه.

وهذا محظور عظيم لا يمكن لمؤمن أن يرتكبه بل ولا يمكن لعاقل أن يرتكبه فضلا عن مؤمن .

وهؤلاء ارتكبوا ذلك بحجة أن العقل يمنع هذا على الله ، أو بحجة أن العقل يوجب على الله هذا الشيء .

إذا الرجوع إلى العقل باطل من هذه الوجوه الخمسة .


والواجب أن نرجع إلى النقل ، فإذا وجب الرجوع إلى النقل فهناك مرحلة أخرى واجبة ، وهي أن نأخذ بظاهر هذا النقل ولا نحرفه ، فلا نقول المراد به كذا وكذا مما يخالف الظاهر ، بل الواجب أن نأخذ بظاهره.

فإذا قال قائل : إذا أخذت بظاهره فقد مثلت الله بخلقه ، ولنفرض انك أخذت بظاهر اليد وأن لله يدين ، فانك إذا قلت : إن المراد باليدين هما ما يؤخذ بهما ويقبض فقد مثلت الله بخلقه ، وحينئذ وقعت فيما هو كفر ؟.

وجوابنا على ذلك أن نقول : من قال إن ظاهر اليدين حقيقة يقتضي المماثلة ؟ ؛ بل لنا أن نقول إن ظاهر اليدين المضافتين إلى الله حقيقة يقتضي امتناع المماثلة ؛ وذلك لأنها يد أضيفت إلى متصف بها ، ومن المعلوم أن ما أضيف إلى الشيء فإنه يكون لائقا به ، فاليدان اللتان أضافهما الله إلى نفسه يدان لائقتان بالله عز وجل ، لا يمكن أن تماثل أيدي المخلوقين ، الست تقول : يد إنسان ، وتقول : يد حمار ، وتقول : يد جمل ، وتقول : يد هر ، وتقول : يد أسد ، وتقول : يد ذرة ؟! فهل أحد من الناس يعتقد التماثل في هذه الأيدي ؟! أبداً ؛ لأنها أيد مضافة إلى متصف بها ، فتكون هذه الأيدي لائقة بالموصوف بها ، لكن لو قلت : يد أسد ، ويد أسد آخر ، صارت مماثلة . إذا علم التباين بين المخلوقات بعضها مع بعض فالتباين بين الخالق والمخلوق من باب أولى .

ومن اعتقد أن ظاهر نصوص الكتاب والسنة التمثيل فقد كفر ، لان تمثيل الله بخلقه كفر ، ومن زعم أن ظاهر الكتاب والسنة ما يقتضي الكفر فهو كافر ؛ لان الكتاب والسنة يقرران الإيمان وينكران الكفر ، ولهذا قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري رحمه الله : من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها

فالحاصل أن نقول : إننا إذا أخذنا بظاهر النصوص لم نكن ممثلين بل نحن أبعد الناس عن التمثيل ، والممثل حقيقة هو الذي صرف النصوص عن ظاهرها ، فهذا الذي جعل النصوص دالة على التمثيل هو الذي صرفها عن ظاهرها ؛ لأنه لم يصرفها عن ظاهرها إلا حيث اعتقد أن ظاهرها يقتضي التمثيل ، فلما اعتقد هذه العقيدة الباطلة ذهب يصرفها عن ظاهرها ، ولهذا نقول : كل معطل فهو ممثل ؛ لأنه لم يعطل إلا حيث اعتقد أن ظاهرها التمثيل فذهب يصرفها عن ظاهرها ويعطل مدلولها عما أراده الله .

أما القائلون بتحكيم العقل فهم الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية ، وكل أهل التأويل يقولون بتحكيم العقل في هذا الباب ، وسيأتي إن شاء الله في كلام المؤلف رحمه الله أن الأشاعرة لا يثبتون من الصفات إلا سبعا ؛ ادعوا أن العقل يقتضيها ، وأنكروا بقية الصفات بحجة أن العقل لا يقتضيها ، ولكننا نقول بان العقل يؤيد ما جاءت به النصوص من هذه الصفات الكمالية ، التي اتصف الله سبحانه وتعالى بها .

قال : ( ولا نرد ذاك بالعقول ) أما الذين رجعوا إلى العقول فقد ردوها ؛ لأنهم أنكروا دلالتها على المراد بها . فمثلا قالوا في قوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ) أي وجاء أمر ربك ، فردوها ، إذ قالوا : نحن لم نردها ولم نكذب بمجيء الله ، ولكن المراد بمجيئه مجيء أمره ، وما هذا في الحقيقة إلا رد ؛ إذ ما معنى الرد إذا لم يكن هذا ردا ؟ فربنا عز وجل يقول : (وَجَاءَ رَبُّكَ) وانتم تقولون : لم يجئ ربك ، بل الذي جاء أمره - سبحان الله !- هل الله يبين لعباده خشية أن يضلوا ، أو يعمي على عباده ليضلوا ؟!

الجواب : الأول بلا شك قال تعالى : ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)(النساء: الآية 176) ، فلو كان الله يريد بقول : (وَجَاءَ رَبُّكَ) : وجاء أمر ربك لكان هذا ابلغ ما يكون في التعمية ، ولكان هذا من عدم البيان ، بل من التلبيس على العباد ، وإذا كان الله سبحانه وتعالى أوجب على عباده أن يعرفوه بصفاته فكيف يقول: (وَجَاءَ رَبُّكَ ) وهو يريد وجاء أمر ربك ؟!


فإذا قال قائل : إن الله يقول : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)(النحل: الآية 1) فيجب أن نحمل (وَجَاءَ رَبُّكَ) على هذه الآية ؟

فالجواب : أن هذه الآية التي استدللتم بها حجة عليكم وليست حجة لكم ، لان اختلاف التعبير في الموضعين يدل على أن احدهما غير الآخر ، فلو كان الله يريد بقوله : (وَجَاءَ رَبُّكَ) : وجاء أمر ربك ، لقالها ، كما قاله في الآية الثانية (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ).

ثم إن الله قال : (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) (الفجر:22) ، ومعلوم أن الذي جاءهم الملائكة أنفسهم وليس أمرهم ، ففي الآية أيضا قرينة لفظية تدل على امتناع تفسيرها بمجيء أمره .

ولا تعجب أن يكون كل دليل استدل به المبطل دليلا عليه ؛ لان استدلاله به يدل على أنه فيه إشارة إلى هذا المعنى لكنه إشارة على غير ما أراده . وقد التزم شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه : درء تعارض العقل والنقل بألا يأتي مبطل بحجة يحتج بها على باطله إلا جعلها دليلا عليه لا له

إذاً : نقول للذين يحكمون العقل : إنكم انتم الذين خرجتم بآيات الصفات وأحاديثها عن ظاهرها ، أما نحن فإننا أخذنا بظاهرها لان الله تعالى إنما انزل الكتاب تبيانا لكل شيء ، وأراد من عباده أن يهتدوا بهذا القرآن لا أن يضلوا فيه ، وإذا كنتم انتم تعملون بظاهر النصوص في العبادات والمعاملات وهي أيضا - اعني العبادات والمعاملات - فيها ما يرجع فيه إلى العقل كالمسائل القياسية ، فكيف لا ترجعون فيها إلى مجرد النقل وتمنعون القياس كما منعه أهل الظاهر ؟! مع أن هؤلاء الذين يرجعون إلى العقل في باب الصفات فيها ولا يأخذون بظاهر النصوص في باب الصفات ، وهذا من التناقض في الاستدلال .



فالحاصل أنه لا يجوز الاعتماد في باب الصفات على العقل لعلل منها :

الأولى : تناقض العقلاء فيما بينهم فيما يثبت وما ينفى .

والثانية أن نقول : لو حكمنا العقل في هذا لكان مقتضى ذلك أن نرجع إلى المنقول ؛ لان صفات الله عز وجل من باب الخبر المحض التي يعتمد فيها على النقل المحض .

والثالثة : أن العقول لا يمكنها إدراك ما يجب لله ويمتنع ويجوز على سبيل التفصيل .

أما على سبيل الإجمال فيمكن إدراكه وذلك بان الله موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص ، لكن على سبيل التفصيل لا يمكن .

والرابعة : أنه يمتنع عقلا أن تتحدث عن شخص تجهل حقيقة صفاته فكيف تتحدث عن الخالق الذي لا مثيل له ؟

والخامسة : أن الذين رجعوا إلى العقول في هذا ارتكبوا محذورين : أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون ، وينفون عن الله ما قاله عن نفسه ، وهؤلاء ارتكبوا محظورا عظيما بحجة أن العقل يمنع هذا على الله ، أو بحجة أن العقل يوجب على الله هذا الشيء ، ولهذا قال المؤلف رحمه الله : ( ولا نرد ذاك بالعقول ).

وقوله : ( لقول مفترٍ ) اللام هنا للتعليل أي من اجل قول مفتر ، والمفتري هو الكاذب .

وقوله : ( مفتر به جهول ) : أي كاذب به جهول ، ويجوز أن نجعل ( به ) متعلقا بجهول ، أي جهول به ، وإنما قال المؤلف : مفتر ، وجهول لان من خالف النص وقال إن المراد به كذا ، فهو إما كاذب وإما جاهل ؛ إما كاذب إن تعمد مخالفة النص وهو يعلم أن النص يدل على كذا ولكن قال نرجع إلى كذا ؛ وإما جهول إن كان لا يدري أنه خالف النص ، فالذين خالفوا النصوص في هذا الباب لا يخرجون عن أحد هذين الوصفين ؛ إما الكذب إن علموا أن النص يدل على خلاف قولهم ولكن ارتكبوا خلافه عن عمد ؛ وإما الجهل إن ارتكبوا خلاف النص عن غير عمد .


ثم قال رحمه الله : ( فعقدنا الإثبات يا خليلي ) عقدنا - يعني - اعتقادنا الإثبات من غير تعطيل ولا تمثيل .

وقوله : ( فقعدنا الإثبات ) : أي ما أثبته الله لنفسه ، ولا شك أن في العبارة قصورا ؛ لان عقدنا : الإثبات فيما أثبته الله لنفسه ، والنفي فيما نفاه الله عن نفسه ، والتوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه ما لم يتضمن نقصا ، فإن تضمن نقصا محضا فهو مما ينفى عن الله عز وجل ، فصار اعتقادنا على النحو التالي :

الأول : إثبات ما أثبته الله لنفسه ، كالحياة ، والعلم ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والوجه ، والعين , واليد ، والقدم ،والأصبع ، وغير ذلك : فهذا نثبته لان الله أثبته لنفسه .

والثاني : نفي ما نفاه الله عن نفسه ، كالظلم ، والجهل ، والغفلة ، والنسيان والعور ، وغير ذلك ، فننفي ما نفاه الله عن نفسه .

والثالث : التوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه ما لم يتضمن نقصا محضا ، فإن تضمن نقصا محضا فإننا ننفيه عن الله وإن لم يرد نفيه ، وأما فيما لم يرد إثباته ولا نفيه فمثاله الجسم ، فلو قال لنا قائل : هل تقولون إن الله جسم ؟

فالجواب : لا نقول إنه جسم ، وتأمل العبارة : لا نقول إنه جسم ، وهذه العبارة غير أن نقول : أنه ليس بجسم : والصحيح قول : لا نقول إنه جسم . ونحن إذا قلنا : أنه ليس بجسم نفينا أنه جسم ، أما إذا قلنا : لا نقول أنه جسم فقد نفينا القول بأنه جسم .

وفرق بين النفيين ؛ لان الأول وهو قول : أنه ليس بجسم حكم بانتفاء الجسمية عن الله ، وهذا ليس عندنا علم فيه ، والثاني وهو قول : لا نقول أنه جسم نفي للقول بذلك ، ونحن ننفي أن نقول بذلك لأننا لا نعلم .

إذا الجسم : لا نثبته ولا ننفيه ؛ لان الله لم ينفه عن نفسه ولم يثبته ، فإذا لم ينفه عن نفسه ولم يثبته فليس لنا دخل في هذا ، فنقف حيث وقف النص ، ولكن نسأل عن المعنى المراد بالجسم ؛ فإن أردت بالجسم الشيء القائم بنفسه المتصف بما يستحقه من الصفات ، فهذا المعنى صحيح ، فإن الله تعالى شيء قائم بنفسه متصف بما يليق به من الصفات : يستوي ، ويأتي ، وينزل ، ويضحك ، ويفرح ، ويغضب ، ويرضى ، ونحن نؤمن بذلك ، وإن أردت بالجسم الشيء المركب من أجزاء يفتقر بعضها إلى بعض ، ويجوز انفصال بعضها عن بعض كما في الأجسام المخلوقة فهذا باطل .

كذلك أيضا الجهة ، هل الله في جهة ؟ نقول : أما اللفظ فإننا نتوقف فيه ، وما لنا وله ! وأما المعنى فنستفصل : ماذا تريد بالجهة ؟ إن أردت أن الله تعالى في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف فهذا ممتنع وباطل ، وإن أردت بذلك جهة سفل ومخالطة للمخلوقات فهذا أيضا باطل وممتنع على الله ، فليس الله في جهة السفل وليس في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف ، وإن أردت أنه في جهة عليا عدمية لا تحيط به ، ما ثم إلا هو عز وجل فهذا حق ، والنبي عليه الصلاة والسلام اعلم الخلق بالله قال للجارية : (( أين الله ) ؟ قالت : في السماء . فاستفهم باين التي يستفهم بها عن المكان، والمرأة أجابت بفي الدالة على الظرفية، أي: الظرفية العدمية، يعني: لا شيء محيط بالله، فما ثم فوق المخلوقات إلا الله عز وجل .

وفي خطبة يوم عرفة التي لم يشهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا المسلمون اجتماعا أعظم منها ولا اكبر منها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، قال وهو يخطب الناس : (( ألا هل بلغت ) ؟ قالوا : نعم ، فقال : (( اللهم اشهد ) يشير بالسبابة إلى السماء وينكث بها إلى الناس . (( ألا هل بلغت ) قالوا ، نعم . ففعلها مرة أخرى ( ألا هل بلغت )؟ قالوا : نعم ففعلها ثلاث مرات . وهذه الإشارة تعني أن الله في جهة وهي جهة العلو .

فالحاصل انك إذا أردت بالجهة جهة علو عدمية ، أي ليس فوق إلا الله وحده فهذا صحيح ، ومع ذلك ونظرا لكون البسطاء من الناس يفهمون من الجهة أنه في كل مكان مثلا ، فنقول : لا تطلق أن الله في جهة أو في غير جهة ، بل لابد من التقييد على حسب التفصيل الذي ذكرنا .

وكذلك الحيز ، فاللفظ نتوقف فيه ، والمعنى نستفصل ، فإن أريد أن الله في حيز يحيط به ويحوزه فهذا باطل وممتنع ؛ لان الله عز وجل لا يحيط به شيء من مخلوقاته ، وإن أريد أنه منحاز عن المخلوقات بائن منها غير مختلط فيها ولا هي حالة فيه فهذا حق .

إذا قول المؤلف رحمه الله : ( فعقدنا الإثبات ) فيه قصور ؛ لان الواقع أن عقدنا إثبات ونفي وتوقف ، ولكن في باب النفي ؛ هل الله تعالى متصف بصفات هي نفي محض ؟ الجواب : لا ، بل صفات الله سبحانه وتعالى المنفية متضمنة لثبوت كمال ، ويجب أن نؤمن بأنها متضمنة لثبوت كمال ، لأنها يراد بها بيان كمال الصفة المضادة فلا يظلم الله الناس شيئا (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً )(يونس: الآية 44) وذلك لكمال عدله ، فهذا النفي إنما هو من أجل كمال الضد ، فقد يكون في الإنسان عدل لكن يكون فيه أيضا ظلم ، فيقال : فلان عدل ، لكن ظلم في القضية الفلانية ، فلا ينتفي عنه الظلم ، لكن الله عز وجل ينتفي عنه الظلم ، لان العدل لديه كامل لا يمكن أن يرد في حقه الظلم ؛ لا في قليل ولا في كثير ، فانتفى الظلم عنه لكمال العدل في حقه عز وجل .

ولو قلت : أنا أقول : لا يظلم ولا أقول لكمال العدل ، قلنا : هذا ليس بصحيح لان صفات الله عز وجل كلها عليا ، وظلم لا يتضمن كمال العدل ليس من الصفات العليا ؛ لان نفي الظلم إذا لم يكن لكمال العدل فقد يكون نقصا ، وقد يكون لعدم القابلية ، فلا يمدح بنقص ولا كمال ، فإذا قلت فلان رجل طيب لا يظلم ، الناس يضربونه فيقول : اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وأعني على الصبر ، يأخذون ماله فيقول : الله اغنني ؛ لأنه غير قادر ، فهو ضعيف جدا ، بل يخاف إن تكلم أن يضرب زيادة ، فهل هذا يعتبر مدحا إذا قلنا : إنه لا يظلم ؟ لا ، ولهذا قال الشاعر :

قبيلة لا يغدرون بذمة ** ولا يظلمون الناس حبة خردل


لو سمعت قوله : لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل ، قلت : ما شاء الله هؤلاء ناس أهل وفاء ، وأهل عدل ، لا يغدرون ، ولا يظلمون ، لكن الواقع أنه يسبهم بأنهم لا يقدرون على الغدر ولا على الظلم ، ويقول الشاعر أيضا :

لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ** ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

يحزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ** ومن إساءة أهل السوء إحسانا

فليت لي بهم قوما إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا وركبانا


فهذا الرجل يذم قومه وليس يمدحهم ، ولهذا قال : فليت لي بهم قوما : أي بدلهم .


إذا نفي النقص لعدم القدرة عليه يعتبر نقصا ، وقد يكون نفي النقص لان المحل غير قابل له ، لا لكمال المحل ، كما لو قلت : جدارنا لا يظلم الناس ، وسيارتي لا تظلم أحداً ، فهذا لا يعتبر مدحا ؛ لأنه لا يقبل الظلم ولا العدل .

قال المؤلف رحمه الله : ( من غير تعطيل ولا تمثيل ) يعني يجب علينا أن نثبت بلا تعطيل والتعطيل نوعان : تعطي للنص ، وتعطيل للصفة ؛ فأما تعطي النص : فتعطيله عن دلالته ، وأما تعطيل الصفة فنفيها عن الله عز وجل .

مثلا : اليد تعطيلها باعتبار تعطيل الصفة بان يقول : ليس لله يد حقيقية ، وتعطيل النص بان يقول في قوله تعالى : (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ)(ص: الآية 75) أي بقدرتي أو بنعمتي .

فالتعطيل إذا إما تعطيل للنصوص بمنع دلالاتها على ما أريد بها ، وإما تعطيل للصفات بنفيها عن الله سبحانه وتعالى مع ثبوتها له .

فأهل السنة والجماعة يتبرؤون من التعطيلين ؛ لأنهم يجرون النصوص على ظاهرها ، ولأنهم يثبتون لله ما أثبته الله لنفسه .

ثم اعلم أن التعطيل الذي ينفيه أهل السنة والجماعة ينقسم إلى أقسام :

الأول : تعطيل جزئي : يكون بإثبات الأسماء ، وإثبات سبع من الصفات ، وإنكار الباقي ، وهذا مذهب الأشاعرة ، فالأشاعرة يثبتون الأسماء لله عز وجل ، ويثبتون سبعا م الصفات ، وينكرون الباقي ، فإذا جاءت النصوص بدلالة على الباقي حرفوها ، فيكون هؤلاء عطلوا النصوص وعطلوا الصفات فيما نفوه ، فمثلا يقولون : في قول الله تعالى : ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه)(التوبة: الآية 100) يقولون : معنى رضي الله عنهم : أي أثابهم ، فيفسرون الرضى بالمفعول المنفصل عن الله وهو الثواب ، فهؤلاء عطلوا الصفة وهي الرضا ، وعطلوا النص فصرفوا دلالته عن الرضا إلى الثواب ، فعطلوه عن مدلوله .

الثاني : تعطيل هو فوق ذلك . وهو تعطيل الصفات كلها دون الأسماء فينفون الصفات عن الله ويثبتون له الأسماء ومنهم من يقر بالحياة والعلم والقدرة لأنه لابد للرب منها ، وما عدا ذلك يحرفونه ، وهؤلاء هم المعتزلة ،وهذا هو المشهور عنهم ؛ أنهم يقرون بالأسماء ، وينكرون الصفات أو يقرون بثلاث صفات وينكرون الباقي .

الثالث : تعطيل فوق ذلك ، وهو إنكار الأسماء والصفات . فيقولون : إن الله لا يسمى سميعا ولا يثبت له سمع ، وكل ما سمى الله به نفسه يجعلونه اسما للمخلوقات ، فليس الله هو السميع بل السميع خلقه ، وأضيف السمع إليه لأنه هو الذي خلقه في هذا ، فيجعلون الأسماء والصفات كلها للمخلوقات لا للخالق عز وجل ، وهؤلاء غلاة الجهمية ، يقولون : لا نؤمن بان الله له أسماء ولا بان الله له صفات.

الرابع : تعطيل قوم فوق ذلك وهم الذين لا يثبتون لله أي صفة ثبوتية . فكل شيء ثبوتي لا يثبتونه لله ، وإنما يثبتون لله السلبيات فقط ، فيقولون مثلا : ليس بمعدوم ، ليس بجاهل ، ليس بأعمى ، ليس بأصم ، وأما إثبات الصفة فهي ممنوعة ، لا الأسماء ولا الصفات ،وهؤلاء هم القرامطة وأشباههم .

الخامس : تعطيل فوق ذلك وهم الذين يعطلون النفي والإثبات ، فلا يصفون الله بصفة ثبوتية ولا بصفة سلبية ، فلا يثبتون الإثبات ولا النفي ، فيقولون : لا نقول أنه يرضى ولا نقول أنه لا يرضى ولا نقول حي ولا ميت ، لا سميع ولا أصم ، لا بصير ولا أعمى . فينفون عنه النفي والإثبات .

قالوا : لأنك لو اثبت لشبهته بالمثبتات ، ولا نفيت لشبهته بالمنفيات . فأنت واقع في التشبيه سواء أثبت أم نفيت ، فنقول لهم : هل تقولون أنه موجود ؟ فيقولون : لا . هل تقولون معدوم ؟ فسيقولون : لا . إذا لا موجود ولا معدوم ! وهل هذا ممكن أن يكون الشيء لا موجودا ولا معدوما ؛ أو موجودا معدوما ؟! لا يمكن.

إذا انتم الآن فررتم من تشبيهه بالمنفيات أو بالمثبتات وشبهتموه بالممتنعات . والممتنع طبعا لا وجود له أصلا .

وانظر كيف يلعب الشيطان ببني ادم إلى هذا الحد ؛ فيقول : إن قلت : حي فقد شبهت ، وإن قلت : ليس بحي ، فقد شبهت . وإن قلت : سميع فقد شبهت ؛ وإن قلت : ليس بسميع فقد شبهت . فماذا نصنع ؟ ! قل : لا سميع ولا غير سميع ، وإن قلت : موجود شبهت ، وإن قلت : لا موجود شبهت ، إذا ماذا أقول ؟! قل : لا موجود ، ولا لا موجود . وهذا غاية ما يكون من الامتناع .

وقال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما معناه : أنتم إذا فررتم من تشبيهه بالمثبتات والمنفيات - مع أن المثبتات والمنفيات أمر ممكن - فقد شبهتموه بالممتنعات ؛ لان تقابل النفي والإثبات بإجماع العقلاء من باب تقابل النقيضين ، يعني لو سلمنا جدلا بان الحياة والموت من باب تقابل العدم والملكة ، وأنه يصح أن نقول لا حي ولا ميت فيما لا يقبل الحياة ولا الموت ، كالجماد مثلا ، فالجدار نقول : لا حي ولا ميت لأنه لا يقبل الحياة ولا الموت ، فلو سلمنا جدلا بأننا نوافقكم على أن تقابل الحياة والموت والسمع والصمم من باب تقابل العدم والملكة التي جوز أن تنفى عمن لا يكون محلا قابلا لها - لكن لا يمكن أن تخرجوا عن الإثبات والنفي ، لان تقابل الإثبات والنفي من باب تقابل النقيضين ، يعني ليس هناك شيء إلا موجود أو معدوم ؛ إلا ثابت أو منفي .

فإذا نفيتم الإثبات والنفي ، أو الوجود والعدم فقد أتيتم بما أجمع العقلاء على امتناعه ؛ وذلك لان تقابل الوجود والعدم ، والإثبات والنفي من باب تقابل النقيضين اللذين اجمع العقلاء على إنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ، فانتم لابد أن تصفوه أما بالوجود وإما بالعدم ، فإما أن تقولوا : ليس بموجود أو ليس بمعدوم ، أما أن تقولوا : لا موجود ولا معدوم فهذا شيء ممتنع ، وقال بذلك غلاة القرامطة والباطنية ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

والحاصل أن التعطيل خمسة أنواع ، وأهل السنة والجماعة يتبرؤون من جميع هذه الأنواع ، ويثبتون لله كل ما أثبته لنفسه .

وأقول لهؤلاء : إنكم ما فررتم من شيء إلا ووقعتم في شر منه ، لا في مثله فحسب بل في شر منه ، لان هؤلاء إذا فروا مما يعتقدون في تشبيهه وأثبتوا صفة أخرى ، نقول لهم : هذه الصفة موجودة في المخلوق فقد وقعتم فيما فررتم منه من حيث التشبيه بالمخلوق ، وشر منه تحريف النص .

ونضرب مثلا : الذين يقولون إن الله ليس له يد حقيقية وإنما له قوة . لماذا لم يثبتوا اليد الحقيقية ؟ قالوا : لان هذا يقتضي التشبيه بالمخلوق الذي له يد وجارحة . فنقول : والقوة كذلك : أليس للمخلوق قوة ؟ فلن يستطيع أن يقول : لا ، والله يقول اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً )(الروم: من الآية 54) فأنتم كان لكم ضعف ثم قوة ثم ضعف ، فإذا قلتم : له قوة وقعتم في التشبيه على قاعدتكم ؛ لان للمخلوق قوة ، فيلزم على قاعدتكم أن تكونوا مشبهين لله تعالى بخلقه .

وقلنا : أنهم وقعوا في شر مما يفرون منه وهو تحريف النص ، حيث حرفوا معنى النص إلى معنى خلاف الظاهر ، وهكذا كل الذين يتكلمون بالتعطيل نقول : هم فروا من شيء ووقعوا في شر منه .

قوله : ( ولا تمثيل ) يعني : نثبت بلا تمثيل ، وهذا من المؤلف جيد جدا حيث أتى بنفي التمثيل دون نفي التشبيه ، فإن هذا أولى لوجوه ثلاثة :

الوجه الأول : أن نفي التمثيل هو الذي جاء به النص ، كما قال الله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(الشورى: الآية 11) ، وقال تعالى فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ )(النحل: الآية 74).

ولا شك أن استعمال الألفاظ التي جاءت بها النصوص أولى بكثير من استعمال ألفاظ جديدة لأمور :

أولا : انك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص ربطت الناس بالنصوص ، وربط الناس بالنصوص له اثر جيد محبوب .

وثانيا : أنك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص سلمت من أي اعتراض ، لان النصوص محكمة وليس فيها تناقض ولا اختلاف .

وثالثا : انك إذا استعملت الألفاظ التي جاءت بها النصوص فإن ذلك أدق وأبين مما إذا استعملت عبارات أخرى ، وإن كانت فيما يبدو للسامع مرادفة لما جاءت به النصوص .

الوجه الثاني : أن نفي التشبيه من كل وجه لا يصح ؛ لأنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه في الجملة ، ولولا هذا التشابه ما استطعنا أن نعرف المعنى أبداً ، فلله حياة وللإنسان حياة ، فهناك نوع من التشابه ، لكن هل هناك تشابه فيما يختص فيه كل واحد ؟ الجواب : لا . لان للمخلوق حياة تتميز عن حياة الخالق ، وللخالق حياة تتميز عن حياة المخلوق ، كما أن للخالق ذاتا تتميز عن ذات المخلوق وكذلك للمخلوق ذات تتميز عن ذات الخالق .

الوجه الثالث : أن نفي التشبيه صار يطلق على نفي الصفات ؛ لان من الناس من يقول إن كل من أثبت لله صفة فهو مشبه ، فإذا قلت : من غير تشبيه صار معناها عند هذا القائل من غير إثبات صفات ، وهذا معنى باطل .

وعلى هذا فما نقرؤه من كلمة : ( من غير تشبيه ) في كثير من الكتب المؤلفة في هذا الباب إنما يريدون به من غير تمثيل ؛ لان نفي التشبيه من كل وجه لا يصح ، ولان بعض الناس يعتقد أن كل من اثبت لله صفة فهو مشبه ، فيكون المعنى على هذا الاعتقاد : من غير إثبات صفات .












التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

 
قديم 30/09/2014, 01:25 PM   رقم المشاركه : 14
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: شرح العقيدة السفارينية

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :

28 - فكل من أول في الصفات ** كذاته من غير ما إثبات

29- فقد تعدى واستطال واجترى ** وخاض في يبحر الهلاك وافترى


______________________________________________

الشرح

( كل ) : مبتدأ ، والخبر : ( فقد تعدى ) وقرن المؤلف رحمه الله الخبر بالفاء لان المبتدأ يشبه الشرط في العموم، قال العلماء رحمهم الله : وإذا كان المبتدأ يشبه الشرط في العموم حسن اقتران خبره بالفاء ، ومثلوا ذلك بقولهم : الذي يأتيني فله درهم . وهذا مثله ( كل من أول فقد تعدى ) .

وقوله : ( فكل من أول في الصفات ) من : اسم موصول يشمل كل مؤول ، يعني سواء كان تأويله عاما أو خاصا ، فإذا أول أي نص من غير ما إثبات ، فإنه يكون متعديا ، وسواء أول في الصفات الخبرية أو في الصفات الفعلية أو في الصفات الذاتية ، فإنه يعتبر متعديا .

فمن قال مثلا : إن المراد باليدين النعمة فهو مؤول ، ومن قال : إن المراد بالوجه الثواب فهو مؤول ، ومن قال : إن المراد بالاستواء الاستيلاء فهو مؤول ، وتسميتنا إياه تأويلا من باب التسامح ، وإلا فالحقيقة أن هذا تحريف ، فكل تأويل ليس له أصل فإنه ينبغي أن نسميه تحريفا ، كما نطق به القرآن : ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ )(النساء: الآية 46) ، فكل من أول الكلم عن موضعه وحمله على معنى آخر فقد حرف .

وقوله : ( كذاته ) يعني كما أن من أول في ذات الله من غير إثبات فهو معتد ، فكذلك من أول في الصفات ، وهذا إشارة من المؤلف رحمه الله بأن القول في الصفات كالقول في الذات ، فكما إننا نثبت لله عز وجل ذاتا لا تشبه ذات المخلوقين ، فإننا نثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقين .

وقوله : ( من غير ما إثبات ) يعني من غير ما دليل على تأويله ، فإنه يكون متعديا ، فإن وجد دليل للتأويل فإن ذلك لا باس به ، ولا يعد هذا تعديا ، مثاله قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي : (( ولا يزال عبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )

فلو قال قائل : ظاهر الحديث أن الله يكون سمع الإنسان وبصره ويده ورجله ،فلماذا تؤولون هذا الحديث وتقولون : إن المراد أن الله يسدد هذا الرجل في سمعه وبصره ومشيه وبطشه ؟

فالجواب أن نقول : لان عندنا دليلا يدل على ذلك ، وهو قول الله عز وجل في الحديث القدسي : (( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تتقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ).

فهنا يوجد عابد ومعبود لقوله : (( ما تقرب إلى عبدي ) ، ويوجد متقرب ومتقرب إليه (( ما تقرب إلي عبدي ) ، ويوجد فارض ومفروض عليه (( مما افترضت عليه ) وفيه أيضا سائل ومسئول ، ومعطي ومعطى ، ومستعيذ ومستعاذ به ، في قوله : (( ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ) . وكل هذا يدل على التباين بين هذا وبين هذا ، فإذا كان هذا دالا على التباين فكيف يكون هذا الشيء المباين بعضا من الشيء المباين ؟! وكيف يكون سمعه وبصره ويده ورجله ؟! فهذا مستحيل .

وأيضا السمع والبصر واليد والرجل بعض من المخلوق ولا يمكن أن يكون بعض المخلوق هو الخالق ، فهذا شيء مستحيل .

إذا فعندنا دليل على هذا التأويل ، وإذا قام الدليل على التأويل فإننا نقول : ليس ظاهر الحديث مقصودا ، بل لنا أن نقول : أن هذا الظاهر الذي ادعي ليس هو ظاهر الحديث ؛ لان ظاهر الحديث يناقض سياقه × ومعلوم أن ظاهر الكلام ما يقتضيه سياقه ، وليس كل لفظ من الألفاظ له معنى منفرد ، بل الألفاظ يكون معناها بضم بعضها إلى بعض . فنحن لم نخرج عن ظاهر الحديث ولم نؤول ، وإذا تنزلنا جدلا وقلنا : إن هذا تأويل ، فإننا نقول : إن هذا التأويل قد دل عليه الدليل ، وإذا دل عليه الدليل من كلام من تأولنا كلامه لم نكن خرجنا بكلامه عن ظاهره ، لان المتكلم اعلم بمراده ؛ ومثل ذلك أيضا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى يقول : (( عبدي جعت فلم تطعمني ، ومرضت فلم تعدني ) فإنا لو أخذنا بظاهر هذا اللفظ لقلنا إن الله يمرض وإن الله يجوع ، وهذا شيء مستحيل على الله ، لكن هذا قد فسر في نفس الحديث حيث قال : (( إن عبدي فلانا جاءك فلم تطعمه ، ومرض فلم تعده ))، فهذا يدل على أن هذا اللفظ الذي يدعى أنه ظاهر غير مراد ؛ لان الله تعالى بينه بنفسه .

فالحاصل أن المؤلف رحمه الله أعطانا قاعدة وهي أن جميع من أول في الصفات من غير إثبات ولا دليل يدل على تأويله فإنه معتد.

وأيضا كما أننا لا نؤول في الذات يجب أن لا نؤول في الصفات ، لان الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات .


ثم قال رحمه الله :

فقد تعدى واستطال واجترى ** وخاض في بحر الهلاك وافترى


هذه خمس صفات - والعياذ بالله من ذلك -: تعدى ، واستطال ، واجترى ، وخاض في بحر الهلاك ، وافترى . كل هذه أوصاف لمن أول في الصفات من غير دليل .

قوله : ( فقد تعدى ) تعدى على النصوص وعلى المتكلم بالنصوص ؛ لان هذا التأويل تعد على اللفظ وإخراج له عن ظاهره ، وتعد على قائل النص حيث كلم الناس بما لا يريد ، وهذا نوع من التعمية ، وهو خلاف قوله تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(النحل: الآية 44) وخلاف قوله تعالى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا )(النساء: الآية 176) وخلاف قوله تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )(النساء: من الآية 26) ، فكل إنسان يؤول فقد تعدى على النص وعلى المتكلم بالنص وهو الله ورسوله .

وقوله : ( واستطال ) استطال من الطول وهو الغنى ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ )(النساء: الآية 25) أو من الاستطالة وهي العلو والترفع ، والثاني انسب يعني أنه استطال واستعلى وترفع والعياذ بالله ، واعتد برأيه ،وأنكر رأي الآخرين .

وقوله : ( واجترى ) من الجرأة ، وهي الإقدام ، أي : إقدام الإنسان على ما ليس له بحق ، وقد تجرأ فلان على كذا : يعني أقدم على شيء ليس له فيه حق ،وكذلك الذي يؤول في الصفات ؛ فإنه قد أقدم على شيء ليس له بحق .

وقوله وخاض في بحر الهلاك ) الخوض في الأصل يطلق على العمل الذي ليس بمركز ولا منظم ، ومنه الخوض في الوحل ، والخوض في الماء ، والخوض في الطين ، قال تعالى : ( فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ)(الطور: الآية 12) .

وقوله : ( في بحر الهلاك ) الهلاك هنا معنوي ، يعني يبقى حيا لكن هو في الحقيقة حي ميت ، بل الميت على الحق خير من هذا الذي بقي على الباطل .

وقوله : ( وافترى) يعني كذب ووجه كذبه أنه قال : إن الله لم يرد كذا وأراد كذا ، فكذب في النفي وكذب في الإثبات :

مثلا : في قوله تعالى : ( بِيَدَيَّ )(صّ: الآية 75) قال : إن الله لم يرد اليدين وأراد النعمة فكذب في النفي وكذب في الإثبات ، وقوله اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش)(الأعراف: الآية 54) قال : إن الله لم يستو على العرش ولكن استولى أو لم يرد العلو وإنما أراد الاستيلاء . فنقول : كذبت في الأول وفي الثاني .



ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :

30- ألم تر اختلاف أصحاب النظر ** فيه وحسن ما نحاه ذو الأثر

31- فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى ** وصحبه فاقنع بهذا وكفى


__________________________________________________ _

الشرح



لما ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا يجوز الرد إلى العقول في باب الصفات ، وذكر تحريم التأويل وانه استطالة وجرأة وافتراء ، ذكر دليلا حسيا ملموسا ، فقال :

( ألم تر اختلاف أصحاب النظر فيه ) يعني الم تعلم أن أصحاب النظر والمراد بأصحاب النظر أصحاب الكلام ، الذين يرجعون في إثبات الصفات أو نفيها إلى العقل ، فهؤلاء اختلفوا واضطربوا اضطرابا كثيرا عظيما ، حتى إن بعضهم يوجب ما يرى الآخر أنه مستحيل . احدهم يقول : هذا واجب لله ، والثاني يقول : هذا مستحيل على الله ، والأخر يقول : هذا جائز ، وهذا من التناقض فاضطربوا اضطرابا كثيرا فيما هم عليه .

ولا ريب أن اختلاف الأقوال واضطرابها يدل على ضعفها وأنه ليس لها أساس ؛ لان الأقوال كلما قويت أساساتها تقاربت ، ولهذا تجد المسائل المنصوصة في القرآن أو السنة الخلاف فيها قليل ، وأضرب لك مثلا بالمواريث فإن الخلاف بين العلماء رحمهم الله في المواريث قليل بالنسبة للخلاف في غيره ، وذلك لان غالب أحكامه منصوص عليها ، والمنصوص عليه لا يختلف الناس فيه . كذلك أهل الزكاة مثلا ، فأهل الزكاة الثمانية لا تكاد تجد خلافا بين العلماء رحمهم الله فيهم إلا قليلا بالنسبة للخلاف في المسائل الأخرى ، لان أصحاب الزكاة منصوص عليهم ، فكلما كانت الأقوال مؤيدة بالنصوص كان الخلاف فيها أقل ، لان النص يجمع أطراف الخلاف .

أما إذا كانت المسائل ليست مبنية على نص ولا على أصل فانك ترى فيها الخلاف العجيب ، ولو شئت لقلت ، إن الخلاف أكثر من أصحابه ، فإذا كانوا عشرة اختلفوا على خمسة عشر قولا .

فإذا قال قائل : كيف يكون الخلاف أكثر من أصحابه ؟!

فنقول : يكون للواحد عدة أقوال . فإذا كانوا عشرة وكل واحد له خمسة أقوال صار الخلاف خمسين وجها .

فأصحاب النظر ، الذين يدعون أنهم أصحاب عقول وأن غيرهم عامة وحشوية وبلهاء وما أشبه ذلك ، هم أكثر الناس اختلافا في هذا الباب ، ومن طالع ما ينقل عنهم رأى العجب العجاب ، حتى إنك لا تكاد تتصور القول من شدة فساده .

فإذا كان هذا حال أصحاب النظر فكيف يعتمد على هؤلاء فيما هو أساس الرسالات ، وهو معرفة الرب جل وعلا بأسمائه وصفاته ؟! وكيف نعتمد على هذه الأقوال المتناقضة التي لا تنبني على أصل ؟! ولهذا فإن المؤلف رحمه الله جاء باختلاف أهل النظر دليلا على فساد أقوالهم ، لان الاختلاف والاضطراب يدل على الفساد .

فإن قيل : من هم أصحاب النظر ؟

فالجواب : هم أصحاب الكلام كما يسميهم أهل العلم ، وعلمهم علم الكلام ، وسموا أصحاب النظر لأنهم قدموا النظر على الأثر . وأصحاب النظر - هؤلاء المتكلمون - هم أكثر الناس فسادا واضطرابا في الأقوال ؛ لأنهم لم يبنوا على أسس صحيحة ، وإنما بنوا على وهميات ظنوها عقليات ، فبنوا عليها عقيدتهم .

ولعله قد مر بك أن أساطينهم ورؤساءهم أقروا بأنهم على ضلال ، فمن جملتهم الرازي الذي يقول : لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا ولا تشفي عليلا ، ووجدت اقرب الطرق طريقة القرآن ، اقرأ في الإثبات قول الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) ، وقوله : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)(فاطر: الآية 10) ، وأقرأ في النفي : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى: الآية 11) ، ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(طـه: الآية 110) ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي .

هذا هو الرازي أحد أساطينهم وكبرائهم وعلمائهم يقول : هذه المناهج والطرق ما رأيتها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً ، أي ، لا تسمن ولا تغني من جوع ، ويقول : رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ، يعني : طريقة تحكيم النصوص في هذا الباب ، ثم ضرب مثلا : اقرأ في الإثبات : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) فأؤمن بأنه استوى على العرش ، واقرأ : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)(فاطر: الآية 10) فأؤمن بأنه في العلو ، واقرأ في النفي : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى: الآية 11) وهي نفي للتمثيل ، واقرأ : (لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(طـه: الآية 110) وهي نفي التكييف ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي .

ويقول :

نهاية إقدام العقول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

والقيل والقال محصول ليس بجيد ، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال . هؤلاء بحثوا طول عمرهم وما استفادوا إلا قيل وقالوا ، وغاية دنياهم أذى ووبال والعياذ بالله ؛ لان غاية دنياهم - نسأل الله العافية -الشك والحيرة ، فأكثر الناس شكا عند الموت هم أهل الكلام ، لأنهم ليس عندهم عقيدة يبنون عليها معبودهم عز وجل ، بل لا يعرفونه إلا بوهمياتهم التي يدعون إنها عقليات ، فلذلك إذا جاءت الساعة وجاء وقت الامتحان والمحك ضاعوا وما وجدوا حصيلة.

فكانوا أكثر الناس شكا عند الموت نسأل الله العافية ، حتى إن بعضهم يقول : ها أنا أموت على عقيدة أمي ، أمه الأمية التي لا تعرف ، والثاني يقول : أموت على عقيدة عجائز نيسابور . فرجعوا إلى عقيدة العجائز لأنها فطرية ، وهم عقيدتهم نظرية وهمية في الواقع .

فإذا نظرنا إلى هؤلاء والى مآلهم والى أحوالهم - فهل يمكن لنا أن نقول أنهم على حق وندع الأثر لنظرهم ؟! لا يمكن أبداً فكل إنسان عاقل لا يمكن أي يتولى مثل هؤلاء ويأخذ من أقوالهم ؛ لأنها أقوال فاسدة متناقضة ليس لها أساس لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من أقوال السلف .

والعجيب أن الرازي يقول : أرواحنا في وحشة من جسومنا ، إلى هذا الحد : روحه مستوحشة من جسده ، لا تود أن تقر فيه ، كأنما يتمنون الموت الآن ومفارقة الروح الجسد الذي هي في وحشة منه ؛ لان الإنسان - نسأل الله العافية والسلامة والثبات - إذا لم يكن له عقيدة ضاع ، اللهم إلا أن يكون قلبه ميتا ، لان الذي قلبه ميت يكون حيوانيا لا يهتم بشيء أبداً ، لكن الإنسان الذي عنده شيء من الحياة في القلب إذا لم يكن له عقيدة فإنه يضيع ويهلك ، ويكون في قلق دائم لا نهاية له ، فتكون روحه في وحشة من جسمه وقوله: ( وحسن ما نحاه ذو الأثر) نحاه بمعني اتبعه ، يعني: وألم تر حسن ما اتبعه ذوي الأثر ، والجواب: أننا نرى ذلك، فنحن نطالع كتب هؤلاء وأقوالهم ، ونطالع كتب أولئك وأقوالهم، فنجد أن هؤلاء الأثريين، إذا قالوا قولاً فإنما يقولون بقول الله ورسوله، مطمئنين منشرحة صدورهم. أما أولئك فهم على العكس من هذا، دائماً في صراع قيل وقال، وجدل لا نهاية له، وفرضيات وهمية ليس لها أصل، فتجدهم في حيرة وقلق.

لكن ما نحاه أهل الأثر واتبعوه يقرأ احدهم كلام الله عز وجل : (وَجَاءَ رَبُّكَ)(الفجر:22) ( فيقول : سبحانه وتعالى يجيء كما يليق بجلاله ، ويقرأ : ( استوى على العرش) ( فيقول : استوى سبحانه وتعالى على عرشه كما يليق بجلاله ، ويقرأ بل يداه مبسوطتان) ( يقول : له يدان لكنها ليست كأيدي المخلوقين ؛ لان الله ليس كمثله شيء وهكذا يقرأ في القرآن والسنة نصوصا واضحة بينة.

ووالله لو خلوا من التقديرات التي يقدرونها ما وجدوا إلا خيرا ، أي شيء يضير الإنسان إذا قال : أنا أؤمن بان لله يدين ؛ لأن الله أثبتهما لنفسه ، ولكني أؤمن بأنه لا مثيل لهاتين اليدين ، هل عليه ضير ؟ أبداً ، بل ينشرح صدره ، ويستريح من التقديرات التي لا أساس لها ، ولذلك تجد أهل السنة والجماعة في هذا الباب هم أريح الناس بالا ، وأشرحهم صدرا ،وأكثرهم اطمئنانا وأبعدهم إشكالا . أما أن نذهب نقدر ونقول : اليد جارحة ، والجارحة ممتنعة ، والجارحة بعض من كل ، وما أشبه ذلك . وهذا جسم وهذا عرض ، فإننا سوف نتعب في هذا .

والأولى لنا أن نؤمن بأن لله يدا ونقول : سبحان الله العظيم ، وبأن له وجها وبأن له عينا ، وبأنه مستو على العرش ، وبأنه يجيء يوم القيامة ، وبأنه ينزل إلى السماء الدنيا ، إلى غير ذلك بدون أن نقدر تقديرات ، فلسنا نحن الذين نحكم على الله ، بل الله هو الذي يحكم علينا ولنفسه بما شاء ، أما نحن فليس لنا إلا التسليم في هذه الأمور ، ولهذا قال : ( حسن ما نحاه ذو الأثر ).

وأنا أجزم جزما أنك لو تلوت على أحد من العامة حديثا في صفات الله عز وجل ، تجده يسبح بلسانه ، ويعظم الله بقلبه ، ويقشعر من ذلك جلده ، لكن لو تلوته على واحد من أهل الكلام ما أحس بهذا أبداً ، بل ذهب يتصور أن الله مناف للمخلوق ، ثم يحاول أن يصرف هذا النص إلى معنى يدعي أنه معقول ،وتجده يتعب نفسه ، وذاك العامي يسبح ويهلل ويمجد الله ، ولا يتعب نفسه . وذاك يذهب يبحث عن القرائن ، ولا يكون في قلبه من تعظيم الله مثل ما يكون في قلب العامي ، وهذا أمر محسوس ،ولهذا ما أوتي قوم الجدل إلا ضلوا .

فأنت إذا أخذت النصوص على ظاهرها سلمت من كل شيء ، وعظمت الله حق تعظيمه ، ولن تحتاج إلى أن تتكلم في ذات الله كأنما تشرح جسما من أجسام الآدميين ، كما يوجد عند بعض الناس الآن ، حتى إني رأيت كتابا لبعض الناس يسال : هل يقال أن الله ذكر أو أنثى ؟ أعوذ الله إلى هذا الحد - نسأل الله العافية ؟!

والله إن هذا الإنسان ليس في قلبه تعظيم لله عز وجل وهو يفرض هذا الفرض ، فتجد من يقول : أقم دليلا على أن الله ذكر ؟! وتجد من يفرض ويقول : هل الله واحد أو متعدد ؟ والله يقول : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ )(الحجر: الآية 9) فنحن هنا جماعة ؟! فإذا أراد الإنسان السلام فليدع هذه الأشياء ، فماذا أنت يا ابن ادم بالنسبة للسماء وبالنسبة للأرض وبالنسبة للأشجار ؟! لست بشيء فكيف تتكلم في خالق السموات والأرض بأشياء ما تكلم بها عن نفسه ، ولا تحدث بها رسوله عليه الصلاة والسلام ، ولا قالها من هم احرص منك على الخير وأشد منك تعظيما لله ؛ وهم الصحابة رضي الله عنهم .

ولما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له .. إلى آخره ) لم يفكر الصحابة رضي الله عنهم كيف ينزل الله تعالى وكيف يصعد ، بل فكروا كيف يستغلون هذا الوقت بالاستغفار والدعاء والسؤال ، وهذا هو الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم منهم ، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما أراد منهم أن يفكروا كيف نزل ومتى يصعد وكيف صعد بل أراد منهم أن ينتهزوا هذه الفرصة في هذا الجزء من الليل الذي يقول الله فيه : من يدعوني ؟ من يسألني ؟ من يستغفرني ؟

فالمهم أن الواجب علينا أن نعرض عما قاله أهل الكلام في هذا كله ، ونحن نحاجهم بكلمة بسيطة وهم أهل جدل ، فنقول : أأنتم أعلم باله أم الله ؟ إن قالوا : نحن أعلم بالله من الله فهم كرة بذلك . وإن قالوا : الله أعلم ، فنقول : ألم يقل عن نفسه كذا وكذا . فلماذا لا تقبلون ؟! ولماذا تحاولون الزيغ يمينا ويسارا ؟! والله عز وجل وضح وبين وكلامه أبين الكلام (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ )(النساء: الآية 26)( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)(النساء: الآية 176)( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )(النحل: الآية 44).

فالقرآن مبين ، والرسول عليه الصلاة والسلام مبين ، ولا يمكن أبداً بحال من الأحوال أن يبين الله لنا كيف نبول ، وكيف نتغوط ، وكيف نلبس ، وكيف ندخل ، وكيف نخرج ، وكيف نأكل ، وكيف نشرب ، وكيف ننام ، وكيف نستيقظ ، ثم يدع البيان فيما يتعلق بأسمائه وصفاته التي هي زبدة الرسالة ، ونحن إذا لم نعرف الله ما عبدناه ، وإذا عرفناه فيجب أن نعرفه كما وصف نفسه ، بعيدا عما أشار المؤلف إليه من اختلاف أصحاب النظر ، فإن هذا يصدنا عن سبيل الله ويبعدنا كثيرا .

إذا بأي شيء يكون : ( حسن ما نحاه ذو الأثر ) ؟ يكون بإتباع الآثار ، وهذا الحسن يتمثل في طمأنينة القلب ، وانشراح الصدر ، وركود النفس ، والانبساط ، وعدم القلق ، وعدم الحيرة . وكل هذا موجود ولله الحمد فيما نحاه أهل الأثر ، حيث يقولون : سمعنا وأطعنا .

قوله فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى وصحبه ) : ( فإنهم ) أي أهل الأثر ، (قد اقتدوا بالمصطفى ) وهو محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، فاتبعوه ظاهراً وباطناً ، ومن اتبع المصطفى عليه الصلاة والسلام فقد هدى إلى صراط مستقيم، كما قال الله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الشورى: الآية 52) ، ومن وفق لذلك فقد وفق لمحبة الله له ، قال تعالى : ( كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه)(آل عمران: الآية 31) ، ومن وفق لذلك فقد شرح صدره ، قال تعالى : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)(الزمر: الآية 22) .

فإذا وفق المسلم لإتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في العقيدة ، والقول والعمل ،والفعل والترك ، فقد وفق لكل خير . وقد قال بعض السلف : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن في لجالدونا عليه بالسيوف . الله اكبر ! فانك لو سالت أهل الدنيا : من انعم الناس ؟ لقالوا : الملوك وأبناء الملوك .

لكن أهل العبادة انعم من هؤلاء ، انعم ، واسر بالا ، وأشرح صدرا وأهدأ نفسا ، لأنهم متصلون بالله عز وجل في قيامهم وقعوهم ومنامهم ويقظتهم ، دائما مع الله ، والله تعالى معهم ، فهم انعم الناس في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف .

لكن الملوك إذا اخذوا بما اخذ به هؤلاء صاروا انعم منهم ،ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إما عادل ، وشاب نشأ في طاعة الله ...) فبدأ هؤلاء السبعة بالإمام العادل ؛ العادل في معاملة الله وفي معاملة عبد الله .

فالمهم إننا نقول : إن الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام فيه كل الخير ، فاحرص على أتباعه ظاهرا وباطنا ، في العقيدة ، والأقوال ، والأعمال ، والأفعال والتروك ، لكن ما فعله على سبيل التعبد فانك تفعله عبادة وتقربا إلى الله هه ، وما فعله لا على سبيل التعبد فإن من الناس من يفعله لمحبته للرسول عليه الصلاة والسلام ، لا للتقرب إلى الله به ، بل يفعله لان الرسول صلى الله عليه وسلم فعله فيحب ما عله الرسول صلى الله عليه وسلم فقط لا تعبدا لله . كما أن الإنسان إذا أحب شخصا تجده يقلده وإن كان لا يعتقد أن في ذلك عبادة وتقربا إلى الله عز وجل .

ومن ثم كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يتتبع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في غير الأمور العبادية ، حتى أنه كان يتحرى المكان الذي نزل فيه الرسول عليه الصلاة والسلام ليبول فيه في الطريق فينزل ويبول ، لكن هذه القاعدة خالفه فيها أكثر الصحابة رضي الله عنهم ، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله .

ثم قال : ( وصحبه ) صحب الرسول صلى الله عليه وسلم هم كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك ،ولكن نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم طبقات وليسوا طبقة واحدة ، كما قال تعالى : ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)(الحديد: الآية 10) حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لخالد بن الوليد لما نازع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما : (( لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه ) ، ففرق بين خالد الذي تأخر إسلامه وبين عبد الرحمن بن عوف الذي يعتبر من السابقين إلى الإسلام .

والمهم أن الصحب طبقات ؛ طبقات في الصحبة ، وطبقات في الهجرة ،وطبقات في العلم وطبقات في كل شيء ولا يوجد أحد من الصحابة أفضل من أبي بكر رضي الله عنه ؛ لان الله تعالى نص على صحبته في القرآن الذي يتلى إلى يوم القيامة ، قال تعالى : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)(التوبة: الآية 40) ، فاثبت الصحبة له ، وأثبت المعية الخاصة له مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث قال : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)(التوبة: الآية 40) .

ثم يليه بلا شك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي اختاره أبوبكر ، ونحن نشهد الله عز وجل أن أبا بكر اشد الناس أمانة وأصدقهم فراسة فأشد الناس أمانة لأننا نعلم لو كان الرجل يريد الخيانة ما ولى عمر رضي الله عنه ولولى أحد أبنائه أو أحد قومه ، لكنه أمين على هذه الأمة ، فأدى الأمانة رضي الله عنه حيا وميتاً.

ونعلم أنه أصدق الناس فراسة لأنه ولى عليهم من هو خير الناس بعده ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان دائما يقول : ذهبت أنا وأبوبكر وعمر ، وجئت أنا وأبوبكر وعمر ، ودائما يقترن اسم هذين الرجلين باسم الرسول عليه الصلاة والسلام .

ولهذا شاء الله سبحانه وتعالى بحكمته أن يكون هؤلاء الثلاثة قرناء في الحياة وفي الممات ، فقبورهم في مكان واحد ، ويوم القيامة يقومون من قبورهم قيام رجل واحد ، وهذه هي الميزة والفضيلة .

والمهم أن الصحب يختلفون ، لكن على كل حال لا أحد يساوي الصحابة رضي الله عنهم في فضل الصحبة أبداً أما في العلم فربما يوجد من التابعين من هو اعلم من بعض الصحابة رضي الله عنهم ، فإن الرجل الأعرابي لو جاء للرسول صلى الله عليه وسلم ، وآمن به وأخذ منه ما أخذ من الشريعة وانصرف إلى قومه ولم يأت إلى المدينة للتعلم لا شك أن من التابعين من هو اعلم منه ، ولكن الصحبة التي هي رؤية النبي عليه الصلاة والسلام مع الإيمان به لا توجد في غير الصحابة رضي الله عنهم.

قال : ( فاقنع بهذا وكفى ) ، ونقول للمؤلف رحمه الله : سمعا وطاعة ، نقنع بهذا إن شاء الله تعال ، ونسأل الله تعالى أن يميتنا عليه ، ( اقنع بهذا ) أي : بإتباع آثار المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وصحبه ، ( وكفى ) أي : كفى عن كل شيء ، كفى عن أهل النظر ، وعن مجادلاتهم ، وعن معقولاتهم التي هي وهميات ، ففي هذين البيتين اكبر دليل على بطلان ما عليه أهل النظر ، وأكبر دليل على صحة ما عليه أهل الأثر . والله اعلم .



------------------------------------



1- انظر ص : 74.

2- رواه الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ... ، رقم 2640 ، وابن ماجه ، كتاب الفتن ، باب افتراق الأمم ، رقم (3991).

3- رواه البخاري ، كتاب الاعتصام ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لتتبعن سنن من كان قبلكم ، رقم (7320) ، ومسلم ، كتاب العلم ، باب أتباع سنن اليهود والنصارى ، رقم (2669).

4- انظر العقيدة الواسطية (ص5).

5- انظر العقيدة التدمرية (ص 104).

6- انظر درء تعارض العقل والنقل (1/205).

7- انظر مجموع الفتاوى 5/110

8- انظر درء تعارض العقل والنقل .

9- رواه مسلم ، كتاب المساجد ، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ، رقم (537).

10- رواه مسلم ، كتاب الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم (1218).

11- انظر مجموع الفتاوى (12/356-357)

12- رواه البخاري ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، رقم (6502).

13- رواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب فضل عيادة المريض ، رقم (2569).

14- رواه البخاري ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب ما يكره من كثرة السؤال ، رقم (7292) ومسلم ، كتاب الاقضية ، باب لنهي عن كثرة المسائل من غير حاجة ، رقم (1715).

15- رواه البخاري ، كتاب الجمعة ، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل ، رقم (1145)، ومسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه ، رقم (857).

16- رواه البخاري ، كتاب ، الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد ، رقم (629) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب إخفاء الصدقة ، رقم (1031).

17- رواه البخاري ، كتاب المناقب ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا خليلا ... ، رقم (3673) ، ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب تحريم سب الصحابة ، رقم (2540).














التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

 
قديم 19/10/2014, 07:53 AM   رقم المشاركه : 15
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: شرح العقيدة السفارينية


الباب الأول

في معرفة الله تعالى




32. أول واجب على العبيد ** معرفة الإله بالتسديد

33. بأه واحد لا نظير ** له ولا شبه ولا وزير

34. صفاته كذاته قديمة ** أسماؤه ثابتة عظيمة

35. لكنها في الحق توقيفية ** لنا بذا أدلة وفيه

36. له الحياة والكلام والبصر ** سمع إرادة وعلم اقتدر

37. بقدرة تعلقت بممكن ** كذا إرادة فع واستبن

38. والعلم والكلام قد تعلقا ** بكل شيء يا خليلي مطلقا

39. وسمعه سبحانه كالبصر ** بكل مسموع وكل مبصر

40. وأن ما جاء مع جبريل ** من محكم القرآن والتنزيل

41. كلامه سبحانه قديم ** أعيا الورى بالنص يا عليم

42. وليس في طوق الورى من أصله ** أن يستطيعوا سورة من مثله

43. وليس ربنا بجوهر ولا ** عرض ولا جسم تعالى ذو العلا

44. سبحانه قد استوى كما ورد ** من غير كيف قد تعالى أن يحد

45. فلا يحيط علمنا بذاته ** كذاك لا ينفك عن صفاته

46. فكل ما قد جاء في الدليل ** فثابت من غير ما تمثيل

47. من رحمة ونحوها كوجهه ** ويده وكل ما من نهجه

48. وعينه وصفته النزول ** وخلقه فاحذر من النزول

49. فسائر الصفات والأفعال ** قديمة لله ذي الجلال

50. لكن بلا كيف ولا تمثيل ** رقما لأهل الزيغ والتعطيل

51. نمرها كما أتت في الذكر ** من غير تأويل ومن غير فكر

52. ويستحيل الجهل والعجز كما ** قد استحال الموت حقا والعمى

53. فكل نقص قد تعالى الله ** عنه فيا بشرى لمن والاه

54. وكل ما يطلب فيه الجزم ** فمنع تقليد بذاك حتم

55. لأنه لا يكتفى بالظن ** لذي الحجى في قول أهل الفن

56. وثيل يكفي الجزم إجماعا بما ** يطلب فيه بعض العلما

57. فالجازمون من عوام البشر ** فمسلمون عند أهل الأثر












التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

 
قديم 19/10/2014, 07:59 AM   رقم المشاركه : 16
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: شرح العقيدة السفارينية

الباب الأول

في معرفة الله تعالى

__________________________________________________ _

32- أول واجب على العبيد ** معرفة الإله بالتسديد

33- بأنه واحد لا نظير ** له ولا شبه ولا وزير


______________________________________________

الشرح



قال المؤلف رحمه الله تعالى : ( الباب الأول ) والذي مضى من هذه العقيد ( المقدمة ) .

قال : ( الباب الأول : في معرفة الله عز وجل ) معرفة الله سبحانه وتعالى نوعان : معرفة ذاته بالوجود ، ومعرفة صفاته كذلك ، ومعرفة ذاته في الكنه والحقيقة ، ومعرفة صفاته كذلك ،يعني نقول : هي قسمان : معرفة وجود ومعاني ومعرفة كنه وحقيقة.

أما معرفة الوجود والمعاني فهذا هو المطلوب منا ، وأما معرفة الكنه والحقيقة فهذا غير مطلوب منا ، فلا أحد يعرف حقيقة ذات الله سبحانه وتعالى ولا حقيقة صفاته ، والوصول إلى ذلك مستحيل فمستحيل أن تعرف الله عز وجل في حقيقة ذاته .

فالإنسان تعرف حقيقة ذاته ، فهو لحم ودم وعظم وباقي مكونات الجسم ، لكن الرب عز وجل لا تعرف عنه هذا ، وصفات الإنسان كذلك تعرف حقيقتها وكنهها التي هي عليه ، فتعرف وجه الإنسان ؛ وتعرف العين ؛ وتعرف القدم ؛ وتعرف اليد ؛ وتعرف الأصابع لكن صفات الله عز وجل لا تصل إلى حقيقتها وكنهها والمطلوب إذا معرفة الذات بالوجود ومعرفة الصفات بالمعاني ، أما معرفة الكنه والحقيقة فهذا مما لا يعلمه إلا الله عز وجل

فصار قول المؤلف رحمه الله في معرفة الله لا بد فيه من هذا التسديد .

أول واجب على العبيد ** معرفة الإله بالتسديد


فأول واجب على الإنسان أن يعرف الله ، والمراد أول واجب لذاته ، وأما أول واجب لغيره فهو النظر والتدبر الموصل إلى معرفة الله . فالعلماء رحمهم الله قالوا : أول ما يجب على الإنسان أن ينظر ، فإذا نظر وصل إلى غاية وهي المعرفة ، فيكون النظر أول واجب لغيره ، والمعرفة أول واجب لذاته .

وقال بعض أهل العلم : إن النظر لا يجب لا لغيره ولا لذاته ؛ لان معرفة الله عز وجل معلومة بالفطرة والإنسان مجبول عليها ، ولا يجهل الله عز وجل إلا من اجتالته الشياطين ، ولو رجع الإنسان إلى فطرته لعرف الله دون أن ينظر ويفكر . قالوا ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( كل مولود يولد على الفطرة ) ، ولقول الله تعالى في الحديث القدسي : (( إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ) ، فصار الصارف عن مقتضى الفطرة حادث وارد على فطرة سليمة .

فأول ما يولد الإنسان يولد على الفطرة ، ولو ترك ونفسه في أرض برية ما عبد غير الله ، ولو عاش في بيئة مسلمة ما عبد غير الله ، وحينئذ تكون عبادته لله ، وإذا عاش في بيئة مسلمة يكون المقوم لها شيئين هما الفطرة والبيئة ، لكن إذا عاش في بيئة كافرة فإنه حينئذ يحدث عليه هذا المانع لفطرته من الاستقامة ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) .

إذا معرفة الله عز وجل لا تحتاج إلى نظر في الأصل ، ولهذا نجد عوام المسلمين الآن ما فكروا ونظروا وقرءوا في الآيات الكونية والآيات الشرعية حتى عرفوا الله ، بل عرفوه بمقتضى الفطرة ، ولا شك أن للبيئة تأثيرا لكنهم ما نظروا ، بل إن بعض الناس - نسأل الله العافية - إذا نظر وأمعن ودقق وتعمق وتنطع ربما يهلك ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون ) .

فالصحيح إذاً ما قاله المؤلف رحمه الله أن أول واجب معرفة الله ، وأما النظر فلا نقول أنه واجب ، لكن لو فرض أن الإنسان احتاج إلى النظر فحينئذ يجب عليه النظر ، مثل لو كان إيمانه فيه شيء من الضعف ويحتاج إلى تقوية فحينئذ لابد أن ينظر ، ولهذا قال الله تعالى أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)(الأعراف: الآية 185) ، وقال (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ )(المؤمنون: الآية 68) ، وقال : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ )(صّ: الآية 29) .

فإذا وجد الإنسان في إيمانه ضعفا حينئذ يجب أن ينظر ولكن لا ينظر من زاوية الجدل والمعارضات والإيرادات ؛ لأنه إن نظر من هذه الزاوية يكون مآله الضياع والهلاك ، ويورد عليه الشيطان من الإشكالات والإيرادات ما يقف معها حيران لكن ينظر من زاوية الوصول إلى الحقيقة ، فمثلا إذا نظر إلى الشمس - هذا المخلوق العظيم الكبير الوهاج - فلا يقل : من الذي خلقه ؟ خلقه الله . فمن خلق الله ؟ فهذا لا ينبغي ، بل يقول : خلقه الله ويقف ؛ لان الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ننتهي إذا قال لنا الشيطان من خلق الله ؟ لنقطع التسلسل ، لأنك لو قلت من خلق الله ؟ وقلت مثلا : خلقه شيء ما ، سيقول لك الشيطان : فمن خلق هذا الشيء ؟ ثم تتسلسل إلى ما لا نهاية له ، وتضيع في البحر الذي لا ساحل له .

فالحاصل أن النظر لا يحتاج إليه الإنسان إلا عند الضرورة كالدواء ، فإذا ضعف إيمانه أو رأى من نفسه ضعفا فلينظر ، وإلا فمعرفة الله مركزة في الفطر .

قال المؤلف رحمه الله : ( معرفة الإله بالتسديد ) أي بالصواب ، لكن ما هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل ؟ الطريق : قلنا بالفطرة قبل كل شيء ، فالإنسان مفطور على معرفة ربه وأن له خالقا ، وإن كان لا يهتدي إلى معرفة صفات الخالق عل التفصيل ، لكن يعرف أن له خالقا كاملا من كل وجه .

ومن الطرق التي توصل إلى معرفة الله عز وجل الأمور العقلية ، فإن العقل يهتدي إلى معرفة الله إذا كان القلب سليما من الشبهات ، فينظر إلى ما في الناس من نعمة فيستدل به على وجود المنعم ، وعلى رحمة المنعم ، لأنه لولا وجود المنعم ما وجدت النعم ، ولولا رحمته ما وجدت النعم .

وينظر إلى إمهال الله عز وجل للعاصين فيستدل به على حلم الله ؛ لأن الله يقول : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ )(فاطر: الآية 45) وصدق الله لو أن الله واخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة لأن أكثر الناس على الكفر فلو أراد الله أن يؤاخذهم بأعمالهم ما ترك ما على ظهرها من دابة .

وننظر في السموات والأرض فنستدل به على عظمة الله وقدرته ؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق ، وهكذا.

ونستدل أيضاً إلى معرفة الله تعالى بإجابة الدعاء ، فالإنسان يدعو فيستجيب الله دعاءه ، فنعرف بهذا وجود الله ،وقدرة الله ، ورحمة الله ، وصدق الله عز وجل ، قال تعالى : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )(غافر: الآية 60) إلى غير ذلك مما تستلزمه إجابة الدعاء .

ومن الطرق التي يستدل به الإنسان على معرفة الله الواقع ، فأخذ الله سبحانه وتعالى للكافرين بالنكبات والهزائم تدل على أن الله شديد العقاب وانه من المجرمين منتقم ، ونصر الله لأوليائه يدل على انه عز وجل ينصر من شاء من العباد ، وانه قادر على ذلك ولو كثر خصومهم .

ثم إن المراد بالمعرفة ما يترتب عليها من التصديق والقبول للأوامر والإذعان لها ، وأما مجرد المعرفة بدون أن يركن الإنسان إليها ويقول بمقتضاها فإنها لا فائدة منها ؛ لأنه حتى الكفار يعرفون الله.

ثم قال المؤلف رحمه الله : ( بأنه واحد ) بأنه : أي الله عز وجل واحد ، واحد في ذاته وصفاته وأحكامه الكونية والشرعية ، فهو واحد في ذاته لا نظير له ولا شبه ولا وزير ، وواحد أيضاً في ربوبيته فلا أحد يتصرف معه ، ولا أحد يملك معه ، ولا أحد يعينه ، بل لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه لكمال سلطانه.

وكذلك هو واحد في ألوهيته فلا يعبد إلا هو عز وجل ، ولا يتأله إلا إليه ، ويجب أن يصرف الإنسان حبه وتعظيمه كله لله عز وجل ، فلا يحب إلا ما يحبه الله ، ولا يرضى إلا بما يرضي الله ، ويكره ما كرهه الله ، ويبغض ما أبغضه الله، حتى يكون قلبه كله وإرادته لله عز وجل ، فيوحد الله في القصد والعبادة .

كذلك واحد واد في صفاته ، فليس له نظير في صفاته ، لا الصفات المعنوية لا الصفات الخبرية ، لا الذاتية اللازمة ولا الفعلية المتعلقة بمشيئته عز وجل .

قوله : ( بأنه واحد لا نظير له ولا شبه )النظير : يعني المماثل والمشابه ، وعليه فقوله : ( ولا شبه ) من باب عطف المتماثلين أو المترادفين ، كقول الشاعر :

فألفى قولها كذبا ومينا .......................

فالكذب والمين معناهما واحد وإن اختلفا في اللفظ ، وكذلك النظير والشبه معناهما واحد وإن اختلفا في اللفظ ، وهذا من باب التوكيد اللفظي .

وقوله : ( ولا شبه ) سبق أن الأولى أن يعبر بقوله : ( لا مثل ) للوجوه الثلاثة السابقة . فالله تعالى لا نظير له في ذاته ولا شبه له في ذاته ، وكذلك لا شبيه ه في صفاته سبحانه وتعالى وفي أفعاله ، قال تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: الآية 11) .

وقوله : ( ولا وزير ) الوزير: أي المعين ، ومنه قوله تعالى عن موسى : (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي) (طـه:29)) ، وهي مأخوذة من المؤازرة وهي المعاونة . فالله سبحانه وتعالى ليس له أحد يعينه لأنه قادر على كل شيء ، قال تعالى : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يّـس:82) ، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سـبأ:22)(يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ )(طـه: الآية 109) ، فهم لا يملكون مثال ذرة في السموات ولا في الأرض على سبيل الاستقلال ، وما لهم فيهما من شرك على سبيل المشاركة ، والفرق بين الاستقلال والمشاركة واضح . فمثلا هذا لي أنا مستقل به ، وهذا بيني وبينك أنا شريك فيه . فهم لا يملكون شيئا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل المشاركة مع الله عز وجل ، و (وَمَا لَهُ) أي ما لله (مِنْهُمْ) من هؤلاء المدعوين (مِنْ ظَهِيرٍ) أي معين ، فهم لا يعاونون الله بشيء .

ثم مع ذلك لا تستطيع هذه الآلهة أن تشفع (لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ) ، وبنفي هذه الأمور الأربعة تنقطع الأسباب التي يتعلق بها المشركون ، لأن غاية ما يتعلقون به أنهم يقولون : إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ، فقط الله كل سبب .

فإن قال قائل : أليس هناك ملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم ، وملائكة موكلون بالقطر ، وملائكة موكلون بالنبات ، والملائكة موكلون بالحفظ العام لبني آدم ؟

فالجواب : بلى هذا موجود ، لكن لم يوكلهم الله تعالى استعانة بهم ، بل وكلهم الله بذلك ليبين عظمته وكمال سلطانه ، كما أن الملك في الدنيا - ولله المثل الأعلى -له من يتولى شئون ملكته ، لكن الملوك في الدنيا يفعلون ذلك لقصورهم وعدم إحاطتهم ، أما الله عز وجل فلا ، إنما فعل ذلك سبحانه وتعالى ليظهر عظمة ملكه وسلطانه ، وأنه المدبر سبحانه وتعالى ، وان له جنودا لا يستعين بهم ولكن يمتثلون بأمره ويكلفهم عز وجل بما شاء ، قال تعالى : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ )(المدثر: الآية 31) ، ولكن ليسوا جنودا يعينونه كجنود الملوك في الدنيا ، بل جنود تظهر بهم عظمته وكمال سلطانه.












التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

 
قديم 29/12/2014, 01:32 PM   رقم المشاركه : 17
Om3abdulla
مـشـــــرفــــة عـــامــــــة





  الحالة :Om3abdulla غير متواجد حالياً
افتراضي رد: شرح العقيدة السفارينية


قال المؤلف رحمه الله تعالى :

34- صفاته كذاته قديمه ** أسماؤه ثابتة عظيمه

35- لكنها في الحق توقيفيه ** لنا بذا أدلة وفيه


______________________________________________

الشرح

قوله : ( صفاته كذاته قديمه ) صفاته : مبتدأ ، والخبر : قديمة ، ذاته : حال، يعني صفاته حال كونها كذاته قديمة .

والصفات : هي ما يتصف به الموصوف .

وقول المؤلف : ( صفاته قديمه ) مجمل يحتاج إلى تفصيل ، فالصفات بالنسبة لله عز وجل ثلاثة أقسام : صفات ذاتية ، وصفات فعلية ، وصفات خبرية .

(1) الصفات الذاتية : هي صفات المعاني الثابتة لله أزلاً وأبدا ، مثل الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والعزة ، والحكمة ، إلى غير ذلك وهي كثيرة فهذه نسميها صفات ذاتية ؛ لأنه متصف بها أزلا وأبدا ولا تفارق ذاته .

(2) الصفات الفعلية : هي التي تتعلق بمشيئته ، إن شاء فعلها ، وإن شاء لم يفعلها ، مثل الاستواء على العرش ، والنزول إلى السماء الدنيا ، والمجيء للفصل بين العباد ، والفرح بتوبة التائب ،والضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ، والغضب على الكافرين ، والرضا للمؤمنين ، وغيرها ، فهذه نسميها صفات فعلية ؛ لأنها من فعله ، وفعله يتعلق بمشيئته.

(3) لكن هذا القسم من صفات الله آحاده حادثة ، تحدث شيئا فشيئا ، وأما جنس الفعل فإنه أزلي أبدي ، فجنس كون الله فعالا - أي جنس الفعل في الله عز وجل - أزلي ، فلم يزل ولا يزال فعالا ، لم يأت وقت من الأوقات يكون الله تعالى معطلا فيه عن الفعل ، فإن الله لم يزل ولا يزال فعالا لما يريد سبحانه وتعالى .

لكن نوع الفعل أو آحاده هي التي تكون حادثة ، مثلا الاستواء على العرش نوع من أنواع الفعل ، وهو حادث لأنه كان بعد خلق العرش ، كذلك النزول إلى السماء الدنيا نوع من أنواع الفعل ، وهو حادث لأنه كان بعد خلق العرش ، كذلك النزول إلى السماء الدنيا نوع من أنواع الفعل ، وهو حادث لأنه كان بعد أن خلق السماء الدنيا ، كذلك الرضا والغضب نوع من أنواع الفعل ، وهو حادث لأنه إذا فعل العبد فعلا يقتضي الرضا ، رضي الله عنه ، وإذا فعل فعلا يقتضي الغضب غضب الله عليه .

وهذه تسمى الصفات الفعلية ، وربما تسمي الأفعال الاختيارية ؛ لأن هذه الأفعال تتعلق بمشيئة الله تعالى واختياره قال تعالى وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ)(القصص: الآية 68)، لكن - كما سبق - كل صفة فعلية فإنها حادثة النوع أو الفرد ، لكنها قديمة الجنس ، فمثال النوع الاستواء على العرش ، والنزول إلى السماء الدنيا فهذا نوع ، لكن نزوله كل ليلة فهذا فرد ، لأن نزوله الليلة ليس هو نزوله البارحة.

(4) الصفات الخبرية : وهي التي نعتمد فيها على مجرد الخبر ، وليست من المعاني المعقولة ، بل هي من الأمور المدركة بالسمع المجرد فقط ، ونظيرها أو نظير مسماها بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء ، مثل اليد ، والوجه ، والعين ، والقدم ، والإصبع ، فهذه نسميها الصفات الخبرية ، لأنها ليست معنى من المعاني ، فاليد غير القوة ، القوة معنى ، واليد صفة من نوع آخر . مسماها بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء ، فاليد بعض من أو جزء منا، والوجه كذلك والعين كذلك .

ولكن بالنسبة لله لا نقول أنها جزء أو بعض ؛ لأن البعضية والجزئية لم ترد بالنسبة إلى الله لا نفيا ولا إثباتا ، ولهذا نقول لمن قال : إن الله واحد لا يتجزأ ولا ينقسم وما أشبه ذلك ، نقول : هذه ألفاظ بدعية . فليس هناك دليل على أن تصف الله بهذا النفي ، وما أنت اعلم بالله من الله ، ولا اعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اعلم بالله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما قال واحد منهم قط : إنه لا يتبعض ولا يتجزأ ، فاحبس لسانك عما حبسوا ألسنتهم عنه ، ولا تتكلم بأشياء فارغة ،وليس هناك داع لأن تقول : لا يتجزأ ، فلا أحد يتصور أن الله تعالى - وله الحمد والفضل - يتجزأ ، لا أحد يتصور هذا حتى تنفيه ، فدع ذلك ، وإنما ينفى مثل هذا الكلام لو أن أحداً قاله ، إما ولم يقله أحد فليس له داع ، بل يقال : لله يد ، وله وجه ، وله عين ، ودع عنك : لا يتجزأ ولا يتبعض ، فلم يتعبدنا الله بهذا ، ولا ورد عن الله انه يتبعض أو يتجزأ ، أو لا يتبعض ولا يتجزأ ، بل قال تعالى : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ )(البقرة: الآية 136) وقال : (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)(البقرة: الآية 255) وقال تعالى : (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ) (الإخلاص:2) .

وكل هذا لم يرد ، وما لم يرد فالأدب مع الله ورسوله أن نمسك عنه ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات:1) ، فلو نفيت ما لم ينفه ما لم ينفه الله عن نفسه فقد تقدمت بين يدي الله ورسوله ، ولو أثبت ما لم يثبته فقد تقدمت بين يدي الله ورسوله .

فالحاصل أن الصفات الخبرية هي التي مسماها أبعاض وأجزاء لنا ، لكن بالنسبة لله فلا نقول انه بعض أو جزء ؛ لأن إثبات البعضية أو الجزئية أو نفي البعضية أو الجزئية بالنسبة لله ، من الألفاظ المبتدعة التي يجب على الإنسان أن يتحاشاها ، فلم يتعبدنا الله لا في كتابه ولا على لسان رسوله بان نثبت البعضية أو ننفي البعضية ونحن نؤمن بان اليد غير الذات ؛ يد الله غير ذاته ؛ ووجه الله غير ذاته ، فهو شيء آخر زائد عن الذات ، وقد يعبر الله تعالى عن نفسه بوجهه ، كما قال الله تعالى : (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإكرام) (الرحمن:27) ، ونحن لا ننكر الوجه ولا ننكر أن يعبر به عن النفس .

وهذه مع أنها صفات خبرية ، فهي في نفس الوقت صفات قديمة ؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متصفا بها ، وصفات الله الذاتية والخبرية كلها قديمة ، إما صفاته الفعلية فهي قديمة الجنس ،حادثة النوع والآحاد ، لذلك فإطلاق الوصف على صفات الله بأنها قديمة ليس بصحيح.

وقول المؤلف رحمه الله : ( كذاته ) أي ذات الله تعالى .

فاصل الذات كلمة مولدة بالمعنى المراد بها ؛ لأن المراد بها عند القائلين - كلمة ذات وصفات - أرادوا بها : النفس ، فذات الإنسان يعني نفس الإنسان ، فالله سبحانه وتعالى لم يعبر عن نفسه بالذات ، إنما عبر عن نفسه بالنفس فقال : ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ )(آل عمران: الآية 28) وقال عز وجل عن عيسى عليه الصلاة والسلام : ( تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)(المائدة: الآية 116) وأصل الذات في اللغة العربية بمعنى صاحبة ، فيقال مثلا : ذات علم ، ذات قدرة ، ويقال لامرأة : ذات جمال ، فهي ذات بمعنى صاحبة تضاف إلى صفة ، نقلها المتكلمون من كونها تضاف إلى صفة وجعلوها اسما للموصوف .

فقالوا : كل موصوف قائم بنفسه فهو ذات ، فمثلا أصل ذات الله يعني ذات الإلوهية ، فنقلوا كلمة ذات إلى الشيء القائم بنفسه وقطعوه عن الإضافة ،ولم تكن من كلام العرب ، ولا يعرفها العرب بهذا المعنى ؛ أي بأنها قائمة مقام النفس . لكن هم لما قالوا : (( ذات علم ) ، قالوا : إن علم ) صفة ، و(( ذات ) موصف ، فأطلقوا على الموصوف اسم ذات ، فقالوا : الذات ، والصفات بدل الله وصفاته ، لكن لا مشاحة في الاصطلاح ، فإن العلماء رحمهم الله تقبلوا هذا ، وصاروا يقولون : ذات وصفات ، صفات الذات وصفات الأفعال ، وإلا فهي في الأصل ليست من كلام العرب .

وذات الله تعالى قديمة ، والقديم عند المتكلمين هو الذي لا ابتداء له ، وليس هو القديم في اللغة العربية ، بل القديم في اللغة العربية هو ما سبق غيره ، ولو كان حادثا ، إما القديم عند المتكلمين فهو الذي لم يسبق بعدم ، بل دائما وأبدا موجود ، فالذي لا أول له - أي لم يسبق بعدم - هو القديم عند المتكلمين ، لكن اللغة العربية تقول : إن القديم ما تقدم غيره ولو كان حادثا ، ومنه قوله تعالى : ( حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)(يّـس: الآية 39) .

وصفات الله سبحانه وتعالى كلها كمال ، سواء كانت مطلقة أو مقيدة ، فما كان كمالا محضا فهو مطلق ؛ أي في كل حال وغير مقيد ، وما كان كمالا في حال دون حال فهو مقيد.

فمثلا الخلق والرزق والكلام وما أشبه ذلك ، هذا كمال مطلق ، فيوصف الله به على الإطلاق ، فيقال : إن الله متكلم رازق خالق ، وما أشبه ذلك .

وما كان كمالا في حال دون حال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله ، وإنما يوصف به مقيدا ، مثل المكر ، والخديعة ، والاستهزاء ، والكيد ، فهذا يكون كمالا في حال ونقصا في حال ، فلا يوصف الله به إلا على وجه الكمال .

فالمكر مثلا لا يجوز أن تصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق فتقول : إن الله ماكر ، فهذا حرام ؛ لأنه يفهم من ذلك النقص والعيب ، فإن المكر عند الإطلاق صفة قدح وذم ، لكنه عند المقابلة يكون صفة مدح ، فتقو : إن الله يمكر بمن يمكر به وبرسله ، وهنا صار المكر صفة كمال ومدح ، أي انه أعلى من مكر أعدائه . كذلك إذا وصفت المكر بما يدل على الكمال فلا باس ، مثل أن تقول : الله خير الماكرين ،كما قال الله تعالى : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه)(الأنفال: الآية 30) ثم قال وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(الأنفال: الآية 30)

وكذلك الخداع لا يجوز أن تصف الله بأنه خادع ، أو من صفاته الخداع على سبيل الإطلاق ، لكن يجوز أن تصفه به على سبيل المقابلة ، فتقول : إن الله تعالى يخدع المنافقين ، أو خادع المنافقين ، أو خادع من يخدعه ، أو ما أشبه ذلك ؛ لأنها في هذه الحال تكون صفة كمال، ولا يجوز أن تصفه بها على سبيل الإطلاق لأنها تحتمل معنى صحيحا ومعنى فاسداً.

أما ما كان نقصا من الصفات فإنه لا يدخل في صفات الله عز وجل أبدا ، وإنما جاء الكلام عليه في التقسيم من أجل الحصر .

فصفات النقص لا تدخل في صفات الله تعالى أبدا ، لا علي سبيل الإطلاق ؛ ولا على سبيل التقييد ، مثال ذلك : الخيانة ، فالخيانة لا تدخل في صفات الله ؛ لأنها ذم وقدح بكل حال ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( لا تخن من خانك )(1) وقال : (( الحرب خدعة )(2) ، فأذن بالخدعة في محلها وهو الحرب ، ونهى عن الخيانة في محلها . فقال : (( لا تخن من خانك ).

مع أن الإنسان قد تسول له نفسه أن يخون من خانه ؛ لأن الله تعالى قال : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(البقرة: الآية 194) ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تخن من خانك ) فإذا ائتمنك إنسان بشيء وقد خانك من قبل فلا تخنه فيه ؛ لأن الخيانة وصف ذم على الإطلاق ، وبهذا نعرف خطأ قول العامة : خان الله من يخون . فهذا القول لا يجوز ، وهو قول باطل . لكن لو قيل : خدع الله بمن يخدع . فهذا صحيح .

إذا يمكن أن نقول : إن الصفات بالنسبة لله عز وجل على ثلاثة أقسام :

1- صفات كمال محض : فهذه يوصف بها على سبيل الإطلاق .

2- وصفات كمال في حال دون حال : فلا يوصف بها إلا مقيدا بالحال التي تكون فيها كمالا .

3- وصفات نقص على الإطلاق : فلا يوصف الله بها مطلقا .

فإذا قال قائل : هل هناك فرق بين الأسماء والصفات في هذا الباب ؟ بمعنى أن الاسم إذا كان متضمنا لنقص فإنه لا يسمى به الله في حال الكمال ؟

فالجواب : لا ؛ لأن الله تعالى قال في الأسماء : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(الأعراف: الآية 180) ، أي البالغة في الحسن كمالها ، وحينئذ لا يسمى الله تعالى باسم يتضمن نقصا ولو في بعض الأحوال .

ولهذا لا يسمى الله بالمتكلم مع أن الله يخبر بأنه متكلم ويوصف بذلك ، فلا تقول : يا متكلم اغفر لي ، وكذلك يوصف الله بالإرادة لكن لا يسمى بالمريد . فلينتبه للفرق : وهو أن الأسماء الحسنة من القسم الأول فقط ، أي أنها من الكمال المطلق فقط ، فلا تتضمن كمالا ونقصا في حال دون حال ، بل هي كمال مطلق ، والدليل على ذلك وصف الله تعالى إياها بأنها حسنى.

بخلاف الصفات - التي كما سبق - منها الكمال المطلق الذي يوصف الله به على سبيل الإطلاق ، والنقص المطلق ، وهذا لا يوصف الله به مطلقا ، والكمال في حال دون حال ، وهذا يوصف به الله حال كونه كمالا ، ولا يوصف به حال كونه نقصا .

قال المؤلف رحمه الله : (( أسماؤه ثابتة عظيمة ) : أسماء الله سبحانه وتعالى ثابتة عظيمة ، (ثابتة ): بمعنى أنها حق واقع يجب الإيمان بها وإثباتها .( عظيمة ) لاشتمالها على أحسن الصفات وأكملها ، قال تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:180)


وأسماء الله سبحانه وتعالى البحث فيها من عدة أوجه :

البحث الأول :
أسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنة ليس فيها نقص بوجه من الوجوه ولا بحال من الأحوال ، قال الله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:180) ) . وقال تعالى : (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر:23) (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(الحشر: الآية 24) فوصفها باسم التفضيل فليس فيها نقص بوجه من الوجوه .

البحث الثاني : أن أسماء الله تعالى مشتقة ، أي أنها تتضمن معاني وأوصافا فكل اسم منها يتضمن الصفة التي اشتق منها ، حتى اسم ( الله ) يتضمن صفة وهي الإلوهية ، فأسماء الله تعالى إذاً أعلام دالة على صفة ، ولولا ذلك ما كانت حسنى ، لأنها إذا لم تتضمن معنى صارت أسماء جامدة لا معنى لها ، وإذا كانت أسماء جامدة لا معنى لها فلا توصف بالحسنة ، والله عز وجل وصفها بأنها حسنة أي بالغة في الحسن كماله .

إذا ما من اسم إلا ويتضمن صفة وقد يتضمن بعضها صفتين أو أكثر ، عن طريق الالتزام ، يعني من باب دلالة اللزوم أو الالتزام .

فمثلا الخلاق من أسماء الله ، قال تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (الحجر:86) ، فالخلاق يتضمن صفة الخلق ، ويستلزم صفة العلم والقدرة إذ لا خلق إلا بعلم وقدرة ، فهو إلى على الخلق بمقتضى مادته ، ودال على العلم والقدرة بلازمه ، فالخلاق دال على الخلق بمقتضى المادة ، لأن الخلاق من الخلق ، ودال على العلم والقدرة دلالة التزام ؛ لأن من لازم الخلق العلم والقدرة ، فمن لا علم عنده لا يمكن أن يخلق ، إذ كيف يخلق وهو لا يعرف أن يخلق ؟ ومن لا قدرة عنده لا يخلق ؛ إذ كيف يخلق وهو ضعيف ؟

ونضرب مثلا في الإنسان ، فإذا قيل لإنسان : اصنع لنا مسجلا ، وهو إنسان عنده المواد الخام ، وعنده قدرة ونشاط وذكاء ، لكن ليس عنده علم . فهذا لا يمكن أن يصنع المسجل لعدم علمه.

وإذا كان هناك إنسان عنده علم ، فهو مهندس ودارس ويقرأ ويعرف ، لكنه مشلول لا يقدر أن يصلح شيئا ، فهذا لا يقدر أن يصنع المسجل لعدم القدرة .

إذا اسم الله الخلاق تضمن ثلاث صفات : الخلق ، والعلم ، والقدرة ،ولهذا قال الله عز وجل اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق:12) ، يعني أخبرناكم بذلك لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ، ولولا علمه وقدرته ما خلق السموات والأرض.

ويعبر عن هذا البحث بأن أسماء الله أعلام وأوصاف ، فباعتبار دلالتها على الذات هي أعلام ؛ وباعتبار دلالتها على المعاني هي أوصاف.

ويترتب على هذا البحث : هل أسماء الله متباينة أو مترادفة ؟

والجواب أن نقول :إما باعتبار دلالتها على الذات فهي مترادفة ؛ لأنها دلت على شيء واحد وهو الله ، وأما باعتبار دلالتها على المعنى فهي متباينة ؛ لأن لكل اسم منها معنى غير المعنى في الاسم الآخر .

والمترادف : هو متعدد اللفظ متحد المعنى ، والمتباين : هو متعدد اللفظ والمعنى ، فحجر وإنسان متباين ؛ لأن اللفظ مختلف والمعنى مختلف ، وبشر وإنسان مترادف ؛ لأن اللفظ متعدد والمعنى واحد .

فالله والرحمن ، والرحيم ، والملك ، والقدوس ،والسلام ، إلى آخر ما ذكر في سورة الحشر باعتبار دلالتها على الله ،فهي مترادفة لأنها تدل على شيء واحد ، وباعتبار دلالة كل واحد منها على معناه فهي متباينة .

الوجه الثالث :
أسماء الله عز وجل غير محصورة بعدد معين ، ولا يمكن حصرها لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور - حديث ابن مسعود رضي الله عنه - في دعاء الغم والهم قال : (( أسالك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ،أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ... ) (1)إلى آخره ، الشاهد قوله : (( أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) وهذا يدل على أن من أسماء الله ما استأثر الله به ، وما استأثر الله به فلا يمكن الوصول إليه ؛ لأنه لو أمكن الوصول إليه لم يكن مستأثرا به ، ولهذا قال : (( استأثرت به في علم الغيب عندك ) ، فإذا ليست أسماء الله محصورة ، ولا يمكن حصرها .

فإذا قال قائل : كيف نجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم : (( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة (؟_2)

فالجواب : أن هذا الحديث الثاني لا يدل على الحصر ، وإنما يدل على حصر معين ، وهو أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسما إذا أحصيتها دخلت الجنة ، يعني إذا أحصيت تسعة وتسعين اسما من أسماء الله فانك تدخل الجنة .

ونظيره لو قلت : عندي عشر سيارات أعددتها لحمل البطحاء ، فليس معنى ذلك انه ليس عندك إلا هذه العشر ، لكن هذه العشر خصت بأنها معدة لحمل البطحاء ، وقد يكون عندك سيارات أخرى معدة لحمل الخشب ، وأخرى معدة لحمل الرجال ، وأخرى لحمل الأمتعة ، ومثل هذا التعبير لا يدل على الحصر .

فإذا قال قائل : ما الفائدة من هذا الكلام إذا قلنا إنه لا يدل على الحصر ؟

قلنا : الفائدة من أجل أن يبحث المكلف عن هذه الأسماء من الكتاب والسنة حتى يدركها ، وإلا لسردها لنا النبي صلى الله عليه وسلم سردا ونستريح ، لكن من أجل أن يبتلي الله الإنسان الحريص من غير الحريص . فالحريص هو الذي يبحث عن الشيء حتى يصل إليه وغير الحريص هو الذي يقول إن كان الشيء سهلا أخذته ، وإن كان صعبا يحتاج إلى مراجعة والى بحث فلا حاجة لي به .

البحث الرابع :
حكم التسمي بأسماء الله سبحانه وتعالى ؟

إن من أسماء الله ما لا يسمى به غيره ، مثل الله ، فلا يمكن أن نسمي أحداً بهذا الاسم لا على سبيل إرادة المعنى ، ولا على غيره ، كذلك اسم الرحمن أيضاً ، قال العلماء رحمهم الله : لا يجوز أن يسمى به غيره ولا يوصف به غيره ؛ لأن الإلوهية والرحمة الواسعة الشاملة التي هي وصف لازم للراحم ؛ هذه لا تكون إلا لله .

أما بقية الأسماء فهي إن قصد بها ما يقصد بأسماء الله من الدلالة على العلمية والوصفية فإنها ممنوعة ، وإن قصد بها مجرد العلمية فليست ممنوعة ، فالحكم والحكيم من أسماء الله ، فإذا سمينا شخصا بالحكم أو بحكيم ولم نقصد معنى الحكمة فيه ولا معنى الحكم فهنا لا باس به ، وفي الصحابة رضي الله عنهم من اسمه حكيم ، وفيهم من اسمه الحكم .

وإن قصدنا بذلك المعنى الذي اشتققنا منه هذا الاسم فهذا لا يجوز ، لأن هذا من خصائص أسماء الله ، فهي التي يراد بها الاسم والوصف ، ولهذا إذا سمينا رجلا بصالح فإنه جائز ولا يغير الاسم ، لأننا ما قصدنا بذلك التزكية ، أي وصفه بالصلاح وأننا ما سميناه صالحا إلا لأنه صالح ؛ سمينا صالحا مجرد علم .

كذلك إذا سمينا شخصا بسلمان فليس لأنه سالم ، بل قد يكون من أتعس الناس ، يوما تكسر رجله ، ويوما تكسر يده ؛ ويوما يفلق رأسه ، ويوما يخدش ظهره ، وليس فيه السلامة ، ومع ذلك نسميه سلمان ، وكذلك سليمان . فالمهم انه إذا لم يقصد المعنى في الاسم فإنه جائز لمجرد العلم فقط .


البحث الخامس :
أن أسماء الله تعالى توقيفية وليس لنا أن نسمي الله بما لم يسم به نفسه .

قال المؤلف رحمه الله : ( لكنها في الحق توقيفية ) : (لكنها ) : أي أسماء الله عز وجل ، ( في الحق ) أي في القول الحق الصحيح ، ( توقيفية ) أي موقوفة على ورود الشرع بها ، والتوقيفي هو الذي يتوقف إثباته أو نفيه على قول الشارع ، فهي توقيفية لا يجوز لنا أن نسمي الله بما لم يسم به نفسه .

ودليل ذلك من الأثر والنظر :

أما من الأثر : فقوله تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) وإثبات اسم من أسماء الله لم يسم به نفسه هذا من القول عليه بلا علم ، فيكون حراما ، وقال تعالى : (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36) وإثبات اسم لله لم يسم به نفسه من قفو ما ليس لنا به علم .

أما من النظر :
أولا : فلأن اسم المسمى لا يكون إلا بما وضعه لنفسه ، وإذا كان الناس يعدون من العدوان أن يسمى الإنسان بما لم يسم به نفسه أو بما لم يسمه به أبوه ، فإن كون ذلك عدوانا في حق الخالق من باب أولى ، فلو أن رجلا اسمه محمد وناداه آخر : يا عبد الله ، وكلما ناداه أو راسله سماه عبد الله ، لغضب من ذلك ، ورأى أن ذلك تعد عليه ، فإذا كان هذا في حق المخلوق ، فهو في حق الخالق أعظم .

ثانياً : من الدليل النظري أيضاً أن الله قال : ((وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(الأعراف: الآية 180)) ، الحسنة البالغة في الحسن كماله ، وأنت إذا سميت الله باسم فليس عندك علم أنه بلغ كمال الحسن ، بل قد تسميه باسم تظن انه حسن ، وهو سيئ ليس بحسن .

وهذا أيضاً دليل عقلي يدل على انه لا يجوز أن نسمي الله بما لم يسم به نفسه . فهذه أربعة أدلة ؛ دليلان أثريان أو شرعيان ؛ ودليلان عقليان نظريان .

ولهذا قال المؤلف رحمه الله : ( لنا بذا أدلة وفيه ) . ( لنا بذا ) : المشار إليه القول بأنها توقيفية . ( أدلة وفية ) أي كافية وافية بالمقصود .

وهنا يرد سؤال وهو : هل الصفات كالأسماء توقيفية ؟

والجواب : سبق أن ذكرنا أن الصفات ثلاثة أقسام : كمال محض ، ونقص محض ، وكمال في حال دون حال .

فالكمال المحض يوصف الله به ، والنقص المحض لا يوصف الله به ، والمتردد بين هذا وهذا يوصف الله به في حال الكمال ، ولا يوصف به في حال النقص ولا على الإطلاق ، أي أن الذي يكون كمالا في حال دون حال يوصف الله به مقيدا في حال الكمال .

إذا فليست كالأسماء توقيفية.


ولهذا يمكن أن نشتق من كل فعل من أفعال الله صفة ، فنقول : إن الله تعالى مزجي السحاب لقوله : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً )(النور: الآية 43) ونقول : إن الله تعالى ماكر بمن يمكر به لقوله : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) (الأنفال:30) ، ونقول : إن الله مستهزئ بمن يستهزئ به لقوله : (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (البقرة:15) لما قالوا : (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة:14) ، ونقول : إن الله خادع من يخدعه لقوله : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (النساء:142) وعلى هذا فقس .

مسألة : ما الضابط في التفريق بين الأسماء والصفات؟

نقول : الضابط هو أن ما دل على معنى وذات فهو اسم ، وما دل على معنى فقط فهو صفة .













التوقيع

"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "

"لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"




اللهم احفظ بناتي وأنبتهن نباتا حسنا

 
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم


تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 08:51 PM

Powered by vBulletin®