عرض مشاركة واحدة
قديم 01/11/2019, 10:37 AM   رقم المشاركه : 4
نصير
قدماء المشاركين فى المنتدى





  الحالة :نصير غير متواجد حالياً
افتراضي رد: تنبيهات لتقويم الأقوال والمقالات .. مِثال تطبيقي / د. منصور بن حمَد العيدي

التنبيهُ الرابع: القِياسُ الصَّحيح طريقٌ في الاستِدلالِ سليمٌ :

القياسُ الصَّحيحُ من الأدلَّةِ المُعتبَرةِ عند جماهيرِ الأصوليِّين، وهو: حمْل فرْعٍ على أصلٍ في الحُكمِ لعِلَّةٍ جامعةٍ بينهما، وقد بنَى عليه أربابُ المذاهبِ الأربعةِ المُعتمَدةِ كثيرًا من المسائِل، ولكن له شروطٌ؛ مِن أبرزِها: ألَّا يكونَ بيْن الأصلِ والفرعِ فارقٌ مؤثِّرٌ، وألَّا يكونَ للفرعِ حُكمٌ منصوصٌ عليه بنصٍّ مُخالِفٍ للأصلِ، إذا تبيَّن هذان الشرطانِ؛ فقياسُ جميعِ الآلاتِ الموسيقيَّةِ على المزاميرِ -إنْ قلنا: إنَّ المرادَ بالمزاميرِ أصلًا آلاتُ اللهو- هو قياسٌ غيرُ صحيحٍ؛ لوجودِ الفارِقِ المؤثِّرِ، وفي هذا يقولُ ابنُ رجب -رحمه الله-: "وليس الغناءُ والدفُّ المرخَّصُ فيهما في معنَى ما في غِناءِ الأعاجمِ ودُفوفِها المُصلْصَلةِ؛ لأنَّ غِناءَهم ودُفوفَهم تُحرِّكُ الطباعَ وتُهيِّجها إلى المحرَّماتِ، بخلافِ غِناءِ الأعرابِ؛ فمَن قاس أحدَهما على الآخَرِ فقدْ أخطأَ أقبحَ الخطأِ، وقاسَ مع ظُهورِ الفرْقِ بين الفرعِ والأصلِ؛ فقياسُه مِن أفسدِ القياسِ وأبعدِه عن الصوابِ". ((الفتح 6/60)).

ثم طفِقَ ابن رجب -رحِمه الله- يَذكُرُ النصوصَ المحرِّمةَ لآلاتِ المعازِف، والْحَظْ هنا: أنَّه رفَضَ قياسَ دُفٍّ على دُفٍّ -وهما متشابهانِ في الصُّورةِ- لوجودِ بعضِ الفروقِ، فماذا عساه يقولُ في الآلاتِ الحديثةِ التي تَذهَبُ بالعقولِ، وتُطرِبُ سامعَها ربَّما قهرًا، وتراهم يَتمايلونَ ويَصرُخون بحالٍ اللهُ أعلمُ بها؟!

أيصحُّ في الأذهانِ بعدَ ذلك أنْ نقيسَ هذا النوعَ مِن المعازِفِ والآلاتِ على تلك المُستعمَلةِ عندَ الأعرابِ، التي لا نَجدُها الآنَ إلَّا في دُورِ المتاحِف؟! فإذا علمتَ هذا، فلا تَعجبْ مِن أنَّ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانوا أبعدَ الناسِ عن هذا القياسِ؛ ولهذا لَمَّا فُتِحتْ فارسُ والرُّومُ وظهَر للصحابةِ ما كان يتعاطاه الكُفَّارُ مِن غناءٍ مُلحَّنٍ وآلاتٍ مُطرِبةٍ؛ فحينَ ذاك أنكرَ الصحابةُ الغناءَ واستماعَه، ونَهَوْا عنه، وغلَّظوا فيه.

قال ابنُ رجب -رحِمه الله-: "وهذا يدلُّ على أنَّهم فهِموا أنَّ الغِناءَ الذي رُخِّصَ فيه لم يكُنْ هذا الغِناءَ، ولا آلاتُه هذه الآلاتِ، وأنَّه إنَّما رُخِّصَ فيما كان في عَهدِه ممَّا يَتعارَفُه العربُ بآلاتِهم". الفتح 6/59.

أقول: فكيف لو شاهَدَ الصحابةُ -رضي الله عنهم- الآلاتِ الحديثةَ، وكيف لو رأوا مَن يقولُ عنهم: إنَّهم يستمعون الموسيقَى هكذا بإطلاقٍ؟!

إذا تقرَّرَ هذا؛ فهلْ يُمكِنُ أنْ نقولَ: إنَّ الحديثَ يدلُّ فقط على إباحةِ الطُّبولِ في الأعراسِ، وعلى إباحةِ المزاميرِ التي وقَع عليها الإقرارُ، إنْ علِمْنا أنَّه لا يوجدُ عندنا عمومٌ، وأنَّ القياسَ غيرُ صحيحٍ؛ فهل يُمكِنُ القولُ بجوازِ استعمالِ الطبولِ في الأعراسِ، وجوازِ استعمالِ المزاميرِ التي وقَع عليها الإقرارُ؟

فالجوابُ في التنبيه الخامس:

يتبع






  رد مع اقتباس