عرض مشاركة واحدة
قديم 31/10/2019, 02:14 PM   رقم المشاركه : 3
نصير
قدماء المشاركين فى المنتدى





  الحالة :نصير غير متواجد حالياً
افتراضي رد: تنبيهات لتقويم الأقوال والمقالات .. مِثال تطبيقي / د. منصور بن حمَد العيدي

التنبيه الثالث: وقائع الأعيان وما جرَى مجراها ليس لها عُمومٌ:

ليس كلُّ خبرٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُفيدُ العُمومَ في جميعِ الأحوالِ والأزمنةِ والأماكنِ والأشخاصِ؛ ذلك أنَّ للعمومِ ألفاظًا تخصُّه، وبدَلالةِ هذه الألفاظِ نَعرِفُ أنَّ هذا النصَّ عامٌّ أو ليس بعامٍّ، وهذا ما ذَهب إليه السلفُ الصالحُ، وهو مُقتضَى اللُّغةِ العربيَّة، وهو الذي درَج عليه علماءُ الأُصولِ.

أمَّا الخبرُ الذي استدلَّ به الدكتورُ؛ فليس له عَلاقةٌ بألفاظِ العُمومِ، وإنما هو مِن جِنسِ وقائعِ الأعيانِ التي ليس لها عُمومٌ صادرٌ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقولُ ابنُ رجب -رحِمه الله- في أحاديثِ الرُّخصةِ في استِعمالِ الدفِّ للنِّساءِ في النِّكاحِ، يقول: "فإنَّه ليس هناك نصٌّ عن الشارعِ بإباحةِ ما يُسمَّى غِناءً ولا دُفًّا، وإنَّما هي قضايا أعيانٍ وقَع الإقرارُ عليها، وليس لها من عُمومٍ". ((فتح الباري لابن رجب 6/60)).

ويقولُ الشاطبيُّ -رحِمه الله-: "إنَّ قضايا الأعيانِ لا تكونُ بمُجرَّدِها حُجَّةً ما لم يُعضِّدُها دليلٌ آخَرُ؛ لاحتمالِها في أنفسِها، وإمكانِ ألَّا تكونَ مُخالِفةً لِمَا عليه العملُ المستمرُّ ". ((الموافقات 3/254، 269 4/8)).

والقِصَّةُ المذكورةُ في الحديثِ الذي استدلَّ به الدكتورُ لا يُوجَدُ لفظةٌ عامَّةٌ، وإنَّما هو واقعةُ عينٍ ليس لها من عُمومٍ. فإنْ قُلتَ: توجدُ لفظةُ المزاميرِ، ولفظةُ المزاميرِ لفظةٌ عامَّةٌ صادرةٌ مِن الصحابيِّ.

فالجواب: إنْ سلَّمْنا بهذا وسلَّمْنا بأنَّ المرادَ من المزامير: آلاتُ عزْفٍ؛ فقُصارَى الأمرِ ونهايتُه هو إباحةُ المزاميرِ التي كانتْ بيدِ القومِ آنذاك، والتي وقَع عليها لفظُ الصحابيِّ، وليس إباحةَ المعازفِ برُمَّتِها؛ فالمزاميرُ أخصُّ من المعازفِ. وهذا أيضًا لا يُفيدُ إباحةَ جميعِ الآلاتِ الموسيقيَّةِ ولا فُنونَ الموسيقَى إلى قِيامِ الساعةِ؛ فالعمومُ الذي صدَر من الصحابيِّ لا تَدخُلُ فيه هذه الأشياءُ على الإطلاقِ؛ ذلك أنَّ ما جرَى وحدَّث به الصحابيُّ -إنْ ثبَت الحديثُ- هو واقعةُ عينٍ لا عُمومَ لها صادرًا من لفظِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ.

وكل ما في الأمْرِ أنَّه كان مع القومِ مزاميرُ وقَع الإقرارُ عليها، ولا يُوجدُ لفظٌ نبويٌّ بإباحةِ المزاميرِ، وعلى المستدِلِّ بهذا الحديثِ على إباحةِ المزاميرِ أنْ يُبيِّنَ نوعَ المزاميرِ التي وقَع عليها الإقرارُ؛ فصارتْ مُرخَّصًا فيها، وعندَ ذاك نقولُ: على الرأسِ والعينِ. ولكن ليس له أنْ يُدخِلَ في هذا اللفظِ جميعَ آلاتِ اللهوِ والعَزفِ؛ وذلك لأنَّ العمومَ الصادرَ من الصحابيِّ لا يَدخُلُ فيه هذه الأشياءُ؛ وإنما يدخُلُ فيه ما تَعارَفَ عليه القومُ وقتَها.

والحال أنَّ العربَ آنذاك لم يكُنْ معهم مِن آلاتِ الطَّربِ إلا شيئًا بدائيًّا، ولا يَعرِفونَ آلاتِ الأعاجمِ في زَمانِهم، فضلًا عن أنْ يَستعمِلوها، فضلًا عن أنْ نَزعُمَ أنَّ الصحابيَّ يُريدُ بلفظ المزاميرِ: المعازِفَ بجميعِ أنواعِها إلى قِيامِ الساعةِ.

فإن اعترضتَ وقلتَ: هبْ أنَّها لا تَدخُلُ في العمومِ؛ فلماذا لا نقيسُ عليها؟ أليسَ القياسُ حُجَّةً في الشريعةِ؟ ومِن ثَمَّ نقيسُ على المزاميرِ غيرَها من آلاتِ المعازفِ!

فالجوابُ في التنبيهِ الرابع:

يتبع






  رد مع اقتباس