عرض مشاركة واحدة
قديم 31/10/2019, 12:55 PM   رقم المشاركه : 1
نصير
قدماء المشاركين فى المنتدى





  الحالة :نصير غير متواجد حالياً
افتراضي تنبيهات لتقويم الأقوال والمقالات .. مِثال تطبيقي / د. منصور بن حمَد العيدي

تنبيهات لتقويم الأقوال والمقالات
مِثال تطبيقي: (مقال: سماع الصحابة في أعراسهم للمُوسيقى للدكتور العوني)

الدكتور منصور بن حمَد العيدي / عن موقع الدرر السنية



الحمدُ لله ربِّ العالَمين، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَك على نبيِّنا محمَّدٍ خاتَمِ الأنبياء والمرسَلين، وعلى آله وصحْبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فإنَّ معرفةَ المُثقَّفين عمومًا، وطلبةِ العِلم خصوصًا ضوابطَ وقواعدَ تُمكِّنُهم من تقييمِ الأقوالِ والمقالات، ومعرفةِ صَحيحِها مِن سقيمها؛ أمرٌ في غايةِ الأهميَّة؛ لكونه سببًا في سلامةِ دِينهم وأفكارِهم، ومعينًا على فَهْمِ كلامِ عُلمائِهم، وهذه الضوابطُ وتلك القواعدُ وإنْ كانتْ مبثوثةً في كتُب الأقدمين والمُحدَثين؛ إلا أن شأنَها شأنُ بقيَّةِ العلومِ والمعارِف تحتاجُ إلى تذكيرٍ وتنبيهٍ؛ فإنَّ العلم إذا لم يُدارس اندرَس، وممَّا يُعينُ على فَهمِ هذه الضوابطِ والقواعدِ أنْ يُضرَبَ لها المثالُ؛ ليَرسخَ في الذِّهن معناها، ويَعرِفَ القارئُ كيفيَّةَ تطبيقِها.

وقد رأيتُ أنَّ مقالَ الدكتور العونيِّ الذي يَذكُرُ فيه استماعَ الصحابةِ للمُوسيقى مثالٌ مناسِبٌ لتطبيقِ بعض الضوابطِ والقواعِدِ عليه؛ لكون قضيَّةِ المعازِفِ في هذه الأيامِ قضيَّةً ساخنةً يُدلي فيها كثيرون بدَلْوِهم، وإلَّا فإنَّ مقالي هذا ليس ردًّا على ما طرَحه الدكتورُ؛ فقد ردَّ عليه جمْعٌ؛ وإنَّما الغرَضُ منه تذكيرُ القُرَّاءِ الكرامِ وتَنبيهُهم إلى أمورٍ يَتمكَّنون بها مِن تقييمِ الأقوالِ والمقالاتِ ذاتِ المضامينِ الشرعيَّةِ في زمَنٍ كثُرَ فيه زُخرفُ القولِ، وسأجتهدُ -إنْ شاءَ اللهُ تعالى- في تسهيلِ هذه الوصايا والتنبيهاتِ بلُغةٍ مُناسِبة، جاعلًا إيَّاها على شَكلِ نقاطٍ:

التنبيه الأول: معرفةُ وجه الاستِدلال مهارةٌ لا بدَّ من إتقانِها:
سواءٌ كنتَ كاتبًا تريدُ أنْ تقيمَ دليلًا على ما تقولُ، أو قارئًا متَّزِنًا لا تَقبَلُ أنْ يَستغفِلَك كاتبٌ ما؛ فعليك أنْ تعرِفَ هذه المهارةَ = مهارةَ معرفةِ وجْه الاستِدلال؛ فإنْ كُنتَ تريدُ إثباتَ حُكمٍ أو فائدةٍ من النصِّ، فلا بُدَّ أنْ تُبيِّنَ العَلاقةَ والرابطَ بين النصِّ والفائدةِ؛ فإنَّ النصوصَ الشرعيَّة ليستْ على درجةٍ واحدةٍ من الوُضوحِ؛ فتارةً تكون شديدةَ الوضوحِ، فيُفهَم المرادُ منها لأوَّلِ وهْلةٍ، كدَلالةِ قولِه تعالى: { وَأَقِيموا الصَّلاةَ } [البقرة:43] على وجوبِ الصلاةِ، وتارةً تكونُ النصوصُ الشرعيَّةُ بحاجةٍ إلى إعمالِ ذِهنٍ؛ فلا يُفهَم منها المرادُ إلَّا بالتفكُّرِ فيها وتَطلُّبِ بيانِ وجْهِ الدَّلالةِ، والرُّجوعِ إلى العُلماءِ في ذلك.

خُذْ على سبيلِ المثالِ استِدلالَ الإمامِ البُخاريِّ -رحِمه اللهُ- بحديثِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:
( ما مِن أيَّامٍ العَمَلُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ مِن هذه الأيَّامِ العَشرِ ) على فضْل أيَّامِ التشريقِ، مع أنَّ الحديثَ ليس في أيَّامِ التشريقِ، وإنَّما في الأيَّامِ العَشرِ الأُوَلِ من ذي الحَجَّةِ؛ فما الرابطُ بيْن فضْلِ أيَّامِ التشريقِ وبيْن هذا النصِّ؟ في مِثل هذه الحالةِ أنت بحاجةٍ إلى بيانِ وجْهِ الاستِدلال؛ ولهذا يَعتني شُرَّاحُ الصحيحِ بذِكرِ مُناسَباتِ تراجِمِ البخاريِّ وتوضيحِ عَلاقتِها بأحاديثه.

في مقال الدكتور العونيِّ نجده قدْ ذكَر بعضَ الفوائد، مثل: استِماع الصحابةِ للموسيقى في الأعراسِ، واستعمالَ الصحابةِ المزاميرَ، هذه الفوائدُ أو الأحكامُ لم يَذكُرْ لها سوى دليلٍ وحيدٍ نقَلَه مِن عِدَّة كتُب، وفيه: ضرْب الجواري الكَبَرَ والمزاميرَ في وقتِ صلاةِ الجُمُعةِ في عُرسٍ عندهم، وانصرافُ ناسٍ مِن خُطبةِ الجُمُعةِ إلى هذا العُرس؛ ليستمعوا الكَبَر والمزاميرَ! وهذا النصُّ كما ذكَرَه هو: ((فقد ثبت أنَّ بعض الصحابة رضي الله عنهم في أعراسهم كانوا يستعملون المزامير والكَبَر))

فالدكتورُ لم يَذكُرْ وجهَ الاستدلالِ ربَّما لوضوحِه عندَه؛ فعلَى القارئِ أنْ يتلمَّسَ ذلك بنفْسِه، وعندما يُحاولُ القارئُ أن يَربِطَ بين هذه الفوائدِ وبين النصِّ سيجدُ أنَّ المذكورَ في النصِّ: استِعمالُ الجواري لهذه الأشياءِ (الكَبَر والمزامير)، وليس فيه استعمالُ الصحابةِ لها، وفرْقٌ كبيرٌ بين استِعمالِ الجواري واستعمالِ الصحابةِ، كما لا يَخفَى.

يقولُ ابنُ رجب –رحِمه الله-: "وإنما كان يَضرِبُ بالدفوفِ في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم النِّساءُ أو مَن يُشبَّه بهنَّ مِن المُخنَّثينَ". ((فتح الباري لابن رجب 6/62))

فهذا النصُّ في أقصَى دَلالتِه إنَّما يدلُّ على: مُجرَّدِ الاستِماع إلى الكَبَر والمزامير، وليس هناك ذِكرٌ للموسيقَى كما قال الدكتور، وهذا يعني وُجودَ خللٍ بين الدَّليلِ والمدلول، وكان يُمكن اجتنابُه لو أَحْكَمَ وجهَ الاستِدلالِ؛ فإنْ كان صاحبُ المقالِ -وهو الدكتور- لم يُحكِمْ هذا الوجهَ؛ فكيف بالقارئِ العاديِّ؟! وعليه فعلَى كلِّ قارئٍ أن يَتنبَّهَ إلى وجهِ الاستِدلالِ، ولا يَقرأَ الكلامَ ويَدعَه يمرُّ عليه وهو لا يَستطيعُ أنْ يُقيِّمَ صِحَّتَه. وهنا أظنُّك -أيُّها القارئُ الكريم- تسألُ؛ هل هناك فرْقٌ بين الاستِماعِ إلى الكَبَر والمزامير، وبيْن الاستماعِ إلى الموسيقَى، أوليس المؤدَّى واحدًا؟ والجوابُ عن هذا في التنبيهِ الثاني:

يتبع






  رد مع اقتباس